أدرار يشكركم علىالزيارة ويرحب بكم


البرويطة حمار آلي غير مهدد بالانقراض

«البرويطة" اختراع موغل في القدم، متمرد على التطوير، ممتنع ومتمنع على التكنولوجيا، ما زال ينافس أحدث الاختراعات، وأكثرها تعقيدا، ببساطته وقوة تحمله وصبره. استغلت البرويطة وما زالت تستغل إلى أقصى حد في المناجم والحقول والبساتين وأوراش البناء وغيرها من الأعمال الشاقة، تكلفتها زهيدة، ولا تتطلب طاقة لتشغيلها؛ ومع ذلك ظلت مُحتقرة، وتُرمى رمية الجيف كلما تلاشت، ولم تعد تقوى على حمل الأثقال، وهي بذلك أشبه بحمار آلي. فمن يكون هذا الحمار الآلي ؟

البرويطة (أصلها من الفرنسية Brouette) اسم باللهجة العامية يطلق على العربة اليدوية الصغيرة المعروفة، ذات العجلة الواحدة، بمقبضين طويلين. كانت تصنع من الخشب، فأصبحت من مختلف المعادن، واتخذت عدة أشكال، لكن أشهرها وأكثرها رواجا هو الشكل السابق وصفه من الحديد. أما أصلها فيشوبه الغموض، فهناك من ينسبها إلى الصينيين القدامى، وهناك من ينسبها إلى عهد الفراعنة، لأنها استعملت في مراسيم الدفن الفرعونية، في القرن السابع قبل الميلاد. أما "بليز باسكال"، الذي غالبا ما ينسب له اختراعها، فإنما قام بتطويرها، واختراع عربة يدوية بعجلتين.    

وتعتبر هذه الوسيلة التقليدية امتدادا لذراعي الإنسان، تُضاعف من قدرته على حمل الأثقال (أضعاف وزنه) ببطنها الأشبه بجفنة مقعرة إلى مقدمة العربة نحو العجلة، مع المرونة والسرعة في التنقل. فعجلتها الوحيدة تمنحها حرية أكبر للحركة، وقدرة فائقة على سلك الممرات الضيقة، بل وحتى على خشبة، صعودا ونزولا، وإمكانية التفريغ الأمامي أو الجاني بيسر وسهولة.

وللبرويطة، في تنقلها، رنة تمزج بين الصفير القوي والنهيق الرخيم، وإيقاع ينساب بين الخفيف السريع والثقيل البطيء، حسب الحمولة وحسب نشاط وهمة مستعملها؛ حتى أن أحد العمال اشتكى لرئيسه، في ورش بناء، ما تصدره برويطته من صوت يزعجه، فسأله أن يصفه، فقال إنها تردد: "برااان ... برااان ... براان"، فرد عليه رئيسه: أنت مفصول عن العمل، لأن البرويطة يجب أن تردد "بران بران بران بران" (أي إيقاع سريع).

والبرويطة تحمل وتتحمل كل شيء، الحجارة والرمال والأتربة والاسمنت، حتى عجنات الاسمنت التي قد تستحضر عليها. وأكثر من ذلك، فقد استعملت لحمل النقود، ففي ألمانيا سنة 1931، كان الناس يحملون عليها الأوراق النقدية أثناء تبضعهم، بسب التضخم الفاحش آنذاك. واستعمل بولتزر (صاحب أشهر جائزة في الصحافة الأمريكية)، في بداية إصداره جريدة " St. Louis Post-Dispatch" سنة 1878، البرويطة كوسيلة توزيع هذه الصحيفة التي لم تكن تتعدى أربع صفحات.

وما أن ينتهي مستعمل البرويطة من العمل بها حتى يقلبها على ظهرها، لأنها مثل السلحفاة، إذا انقلبت لا تستطيع الحراك. ويقول عنها الإنجليز، من بين نكتهم التهكمية عن الإرلنديين، أن الله خلق البرويطة كي يُعلّم الإرلنديين كيف يمشون على أرجلهم الخلفية (Why did God invent the wheelbarrow? To teach the Irish to walk on their hind legs). وعلى ذكر التعليم، فلولاها لما اختراع قلم الحبر الجاف؛ ذلك أن برينو بيش، صاحب شركة "بيك"، كان في نهاية الأربعينيات يدير مصنعا صغيرا للأقلام، وبينما كان في ضيعته يدفع برويطة محملة بخمسين كلغ من البطاطا، راح يكتب اسمه على التراب بواسطة العجلة، فجاءته فكرة قلم يكون رأسه مزودا بكُريّة صغيرة أشبه بالعجلة تجعله ينساب بسرعة دون أن يهدر كثيرا من الحبر.

وعلى المستوى الرياضي، هناك أرقام قياسية مسجلة في كتاب "غينيس" تخص رفع البرويطة وحملها، كما أن هناك سباقات للبرويطة، ومنها السباق الذي تنظمه جمعية الفرنسية "Les Débrouill'Arts" في Appenans (Doubs).

وعلى المستوى الفني، تنظم مجموعة موسيقية لفن الجاز، مع العديد من المولعين بالموسيقى والطبيعة، مهرجانا سنويا للبرويطة بAgglo de Rouen وNormandie، تتخلله أنشطة موسيقية ومسرحية. وعلاوة على كل ذلك، خصصت لها عدة مواقع على الانترنيت، بعدة لغات.

وبعد هذا كله، أليس من حق البرويطة علينا، نحن المغاربة الأكثر استغلالا لها وقسوة عليها، أن نعيد لها الاعتبار، قبل أن تتأسس جمعيات غربية للرفق بالبرويطة أو لجنة أممية للدفاع عن حقوقها، فتلزمنا بمعاملتها معاملة حسنة، وتقديم التقارير الدورية عن تصرفاتنا اتجاهها ؟

حسن أوالفقر
Webmaster: Oulf@kr
E-mail: adrare_ma@yahoo.fr Fax:21237263170