:

      الغراب من الحيوانات التي تعرضت، أكثر من غيرها، للإبادة البشرية في العديد من مناطق العالم؛ وعلى مر العصور، بسبب عداوة كامنة وغريبة. هذه العداوة جعلت الإنسان يُلصق بهذا الطائر صفات خبيثة كثيرة، ويسقط عليه من السلوك الخسيس ما لا يحتمل. وربما كان من بين أسباب هذه العداوة كون هذا الطائر لا تُرجى منه فائدة للإنسان، بل ويضر بمصالحه عندما يتعرض لحيواناته الداجنة وفواكهه وخضره. فلا عجب أن يختار الغراب العيش بعيدا عن المجتمعات البشرية، ويتخذ الحيطة والحذر من الإنسان.

      وقد عرفت هذه الظاهرة، بشكل جلي عند العرب، حيث عكسها الأدب العربي بشقيه الكلاسيكي والشعبي. وقد وصفه العرب بأنه الطائر الأكثر انتهازية في مجتمع الطيور.  فهو عندهم من شرار الطيور، قبيح الشمائل، رديء المشية، ليس من بهائم الطير المحمودة، ولا من سباعها الشريفة، وهو طائر لؤم وشؤم يُتنكد به ويُتطير منه، آكل جياف ورديء الصيد.

الغراب Corbeau (Corvus) طائر من فصيلة الغرابيات Corvids ورتبة الجواثم Passereaux، جمعه أغرب وغربان وأغربة. واشتق من اسمه: الغربة والاغتراب والغريب. منه أنواع أكثرها انتشارا في المغرب: الغراب الكبير الأسود - الأسحم (Corvus corax)، والغراب الداكن  C.ruficollis. يعجبه السكن في الخرائب وأعالي الأبراج. منقاره صلب شديد النقر. ويقال نغق الغراب ينغق نغيقا، بعين معجمة، ونعب ينعب نعيبا، بعين غير معجمة. فاذا مرت عليه السنون الكثيرة وغلظ صوته، قيل شحج يشحج شحيجا.

ويعتبره العرب من لئام الطير وليس من كرامها، من بغائها وليس من أحرارها، ومن ذوات البراثن الضعيفة والأظفار الكليلة وليس من ذوات المناسل. وهو مع أنه قوي النظر لا يتعاطى الصيد وهو فسل ان أصاب جيفة نال منها والا مات هزالا.

وقد جاء ذكره في القرآن الكريم في نبأ ابني آدم، حين قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فحسد الذي لم يتقبل منه المتقبل منه، فقتله. يقول الله عز وجل: "فقتله فأصبح من الخاسرين. فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه". ويقول الجاحظ في كتابه "الحيوان" على لسان صاحب الغراب: لو لم تكن للغراب فضيلة وأمورا محمودة وآلة وسببا ليس لغيره، من جميع الطير، لما وضعه الله تعالى في موضع تأديب الناس.

أبو المرقال الأعور

وسخر العرب من مشية الغراب، وحاكوا حولها الحكايات. قالوا الغراب يحجل كما يحجل المقيد من الناس. ويقولون ذهب الغراب ليتعلم مشية العصفور، فلم يتعلمها، ونسي مشيته، فلذلك صار يحجل ولا يقفز قفزان العصفور، فأصبحت مشيته رديئة. ومن ذلك قول شاعر أندلسي:

وكم من غراب رام مشية قبجة    فأنسي ممشاه ولم يمش كالحجل

وقول آخر:

إن الغراب كان يمشي مـشية    فيما مضى من سالف الأجيال

حسد القطاة ورام يمشي مشيها     فأصابـه ضرب مـن العقال

فأضل مـشيتـه وأخطأ مشيها    فـلـذلك سموه أبـا المرقال

ويقال في المثل العربي: "أزهى من غراب" لما يتبين من زهوه في ثقل مشيه وتأوده. وضربوا به المثل في السواد، حيث يقال: "أشد سوادا من غراب"، وقال شاعر:

عِنبٌ أسود كطعم الشراب    حالك لونه كلون الغراب

ويقال: فلان طار غرابه، أي شاب، فقد سواده ولم يبق غير بياضه، فمن يطير غرابه يفقد سواده وكأنما كان على رأسه غراب فطار ولم يبق غير الشيب. وهناك مثل في العامية المغربية يقول: " كيف شتي دعوتك هي اللّي كحلت الغراب في السما.." كما يقال: "أعز من الغراب الأعصم"، يعني الغراب الأسود الذي في احدى رجليه بياض، وذلك لا يكاد يوجد.

ولأنه حاد البصر، يقال: "أبصر من غراب"، وسماه العرب الأعور قلبا لحدة بصره، ويقال أنه يغمض إحدى عينيه أبدا لاجترائه بالنظر بالأخرى. كما يقال: " أحذر من غراب"، وتزعم العرب أنه يخفي ذكره حذرا من أن يُعلم بأنه ذو ذكر وفراخ وعش فيُطلب.

ويقال كذلك في أمثال العرب: أصح من غراب، أغرب من غراب، بكرت بكور الغراب، وجد ثمرة الغراب، (لمن يظفر بالشيء الثمين)، كما يقال: أرض لا يطير غرابها، أي أرض مخصبة، تبلغ من خصبها أنه إذا دخلها الغراب لم يخرج منها لأن كل شيء يريده فيها. وكذلك يقال: دون هذا شيب الغراب، وحين يشيب الغراب، أي ما لا يكون أبدا، ومن ذلك مثل أندلسي: "حتى يشيب الغراب ويطلع الحمار في السلوم". وقول الشاعر:

على أن لا أراك ولا تراني    على حال إلى شيب الغراب

دعاء نوح على الغراب

ويقال: " لا يرجع فلان حتى يرجع غراب نوح"، ذلك لأن نوحا، عليه السلام، أرسل الغراب من السفينة ليكشف له عن منسوب المياه، فوقع على جيفة شغلته على مهمته ولم يرجع. قيل أن نوحا لعنه ودعا عليه أن لا يأكل، إلى الأبد، غير فضلات المزابل والجيف المنتنة، (وفي مصر يعرف الغراب الكبير الأسود بالغراب النوحي، نسبة الى النبي نوح)، ثم بعث الحمامة لتنظر هل تُرك في الأرض موضعا يكون للسفينة مرفأ، واستجعلت على نوح الطوق الذي في عنقها، فرشاها بذلك. وتروي الحكايات الشعبية المغربية أنه عندما عادت الحمامة مخضبة الرجلين من لون الطين، قيل الطين جاء، فسمي المكان الذي حطت عليه لأول مرة "الطين جاء"، فأصبح، بالتداول، "طنجة" المعروفة حاليا.

ويحكي العرب أن الغراب قد خدع الديك ولعب به ورهنه عند الخمار. ذلك أن الديك كان نديما للغراب، وأنهما شربا الخمر عند خمار ولم يعطياه شيئا، وذهب الغراب ليأتيه بالثمن حين شرب، ورهن الديك، فخاس به وبقي محبوسا.

تشاؤم العرب بالغراب

والعرب تسمي الغراب ابن دأية، لأنه إذا وجد دبرة (قرحة) في ظهر البعير سقط عليها ونقره، وأكله حتى يبلغ الدايات (فقر الظهر). فإذا كان بظهر البعير قرحة، غرسوا في سنامه إما قوادم ريش أسود، وإما خرق أسود، لتفزع الغربان منه ولا تسقط عليه. والغراب يسمى أيضا عند العرب حاتما.

"وليس في الأرض بارح ولا نطيح، ولا قعيد، ولا أغضب، ولا شيء عند العرب مما يتشاءمون به إلا والغراب عندهم أنكد منه". ويتشاءمون من نعيقه، ويعتبرونه أكثر احباراً، ويطلقون عليه غراب البين، ذلك لأنه عندما يترحل قوم في الصحراء يتركون وراءهم مخلفاتهم ومخلفات دوابهم، فتحط الغربان هنالك تقتات مما تجده من هذه المخلفات. وكان يحدث أن يسعى أحد الرجال في أثر قومه، أو قوم حبيبته، ويظن أنهم في مكان معين، وإذا به من بعيد يرى الغربان تحط وتطير فوق ذلك المكان، فيعلم أن قومه بانوا، أي رحلوا، فيحزن ويتألم. ولذلك يتشاءمون من الغراب ويتطيرون منه. ورحم الله الشاعر القائل:

والناس يلحون غـرا    ب البين لـما جـهـلـوا

والبائس المسكين ما    تُـطـوى عـليه الرحـل

ومثل التطير بالغراب، هنا، كمثل ما وقع لآل زغبة في المغرب، كما جاء ذلك في كتاب "قبائل المغرب" للأستاذ عبد الوهاب بن منصور، فهم من قبائل بني هلال، كانت لهم كثرة وعزة عند دخولهم الى المغرب. وكانوا أكثر العرب ضررا، حتى صار الناس يتطيرون إذا ذكر اسمهم، لأنه نذير شؤم ونحس، وصارت كلمة "زغبي"، نسبةاليهم، تعادل كلمة مشؤوم ومنحوس، وعلى نفس المنوال يضيفون اليها "كعبي"، وهي متداولة في العامية المغربية.

وتتضمن حكايات مختلف الشعوب صورة الغراب بصفته رمز السحرة والدجالين. وفي القرون الوسطى، كانوا يعتبرون ظهور الغربان في مكان ما نذيرا لحدوث مصيبة فاجعة.

وتؤكد الدراسات الحديثة أن الغربان من أذكى الطيور، وهي متميزة عن غيرها من الطيور بطباع وسلوكات عديدة. فهي على العموم اجتماعية وتعيش في جماعات، فغالبا ما تجد عشرات الأعشاش في مجال ضيق. وعندما تعمل على بناء أعشاشها، تسرق من بعضها البعض مواد البناء، في غفلة من الضحية، الذي ينتهز بدوره فرصة ما ويعيد ما سرق منه مع بعض ما يعجبه من عش سارقه. إلا أن هذه السرقات ليست الا نوعا من المزاح واللعب، فهو لا يؤدي إلى أية عداوة فيما بينها، فالغربان تعيش متمسكة بعضها ببعض، وهي معروفة بالتكافل.

وتظل صغار الغربان في العش ثلاثة أسابيع، بعد التفريخ، وتستهلك يوميا قدر وزنها من الطعام. وبعد ذلك تبدأ في التدريب على الطيران لبضعة أيام، تحت أنظار الكبار. وأنثى الغربان هي التي تحضن ويتكلف الذكر بإطعامها. لكن، إذا حدث لها مكروه، قبل التفريخ، يتولى الذكر حضن البيض، وقد يحدث أن يمسك عن الطعام أياما حتى يفرخ البيض.

أما أنواع المأكولات التي تتغذى عليها الغربان فهي كثيرة ومتنوعة، من الخضر والفواكه إلى الزنابير والجرذان. وتلجأ الغربان إلى حيل وخدع كثيرة للحصول على ما تستلذه من الأطعمة، كأن يتسلق الغراب ظهر خنزير وهو يقلب الأرض ويكد إلى أن يخرج منها جرذا، فينقض عليه الغراب وبفوز به. وإذا صادف غراب ثعلبا يحمل فريسة، يثير انتباه باقي الغربان بصياحه فيجتمعون حوله ويضايقونه بالانقضاض عليه ونقره والصراخ إلى أن يترك لهم فريسته وينصرف.

حذر الغربان من الإنسان

وتستطيع الغربان العيش في مختلف الظروف التي تتكيف إليها بسرعة. وللغربان موهبة تقليد الأصوات، فمنها من يستطيع تقليد قوقأة الدجاج أو نباح الكلاب أو تغريد الطيور. وقد تستغل هذه الموهبة للحصول على الطعام. ويحدث أن تهاجم بومة، بالليل، عش غراب وتفتك به وهو نائم. ولكن إذا صادف الغربان بومة بالنهار يعذبونها بشكل جماعي، عذابا أليما قبل القضاء عليها. وجاء في كتاب "كليلة ودمنة" أن أصل العداوة بين الغربان والبوم، هي أن جماعة من الطير لم يكن لها ملك، وأنها اجتمعت على بوم لتملكه، فاستشارت في ذلك غرابا، لكن هذا الأخير استنكر اختيارها بدعوى أن البوم "أقبح الطير منظرا، وأسدئها مخبرا، وأقلها عقولا، وأشدها غضبا، وأبعدها رحمة...". وكان هناك بومة حاضرة سمعت كلام الغراب، فقالت: "لقد وترتني أعظم الترة... وإنكم معاشر الغربان قد غرستم بيننا أبدا شجرة من الحقد والبغضاء".  وكذلك تنقض الغربان على الصقور والقطط، وكل الحيوانات التي يمكن أن تضر ببيضهم وأعشاشهم.

والغربان تحذر الإنسان وتتجنبه، فهي الطيور الوحيدة التي تستطيع أن تميز بين سبطانة بندقية وأي شيء آخر يشبهها على بعد 800 متر. ولذلك فهي تعتمد، في الأماكن التي تخاف فيها من الصيادين، نظام الحراسة، حيث تقوم مجموعة بالحراسة، وعندما تحس بالخطر تفر الغربان بسرعة 70 كلم في الساعة، وفي صمت تام. وتمتاز بحاسة سمع شديدة، لا يوازيها فيها أي حيوان آخر غير الآيل. وتتوفر على نظام صوتي للتحذير من المخاطر غني، ويضم أزيد من 25 كلمة.

ويحكى أن غرابا قال لابنه: يا بني إذا رُميت فتلوّص -أي تلوّ- فقال: يا أبتي إني أتلوص قبل أن أُرمى. وأراد ابن الغراب أن يطير، وأبوه قد رأى رجلا فوّقَ السهم ليرميه به، فقال: يا بني، اتئد حتى تعلم ما يريد الرجل، فقال الابن: الحذر قبل إرسال السهم.

حياة الغربان لهو وجد

ويمكن للغربان أن تعيش 25 سنة. وتقضي الجزء الأكبر من وقتها في اللعب والمقالب. فهي مولعة بإيقاض النائمين من الحيوانات بطريقتها الخاصة، كأن تنقض على أرنب نائم تحت الشمس فتنقره من رأسه، أو تنزل بصمت ماكر على ظهر دابة نائمة فجأة فتصرخ صرخة قوية تفزعها. أو تلعب فيما بينها لعبة الاستغماض (الغميضة). وهي تحب جمع الأحجار الصغيرة البيضاء والأصداف وتلعب بها فيما بينها لعبة أشبه بلعبة الكرة المستطيلة.

ويمتاز، كذلك، مجتمع الغربان بنظام جنائي غريب، فإذا ارتكب أحدها مخالفة ما لقوانين الجماعة، تجتمع هذه الأخيرة للمداولة، في حين يظل المتهم واقفا بعيدا عنها ينتظر الحكم. وقد تطول المداولة لعدة ساعات، وأخيرا إما أن تطير الغربان وتنصرف لحالها، أو تنقض على الجاني وتفقأ عينيه وتقضي عليه.

وفي الفترة ما بين الصيف والخريف تجتمع الجماعات الصغيرة وتكبر لتشكل أسرابا كبيرة تهاجر مأواها الخريفي. وقد تقطع أحيانا 2500 كلم جنوبا في هجرتها.

وقد حاول العديد من الناس تربيتها وتدجينها، ويروون عن ذلك حكايات كثيرة عن ذكائها ومكرها وحيلها. لكن العلماء يصرون على أنه رغم كل ذلك فذكاء الغربان يبقى عفويا وغريزيا.

Webmaster: Oulf@kr
E-mail: adrare_ma@yahoo.fr Fax:21237263170