أدرار يشكركم علىالزيارة ويرحب بكم


مقالات
القلم وما يسطرون ...
حسن أوالفقر

القلم أداة بسيطة الشكل عظيمة الشأن. فالقلم - بمختلف أشكاله من البدائية إلى أحدث الابتكارات – كان له الدور الحاسم في بناء الحضارات. فالقلم بين أنامل الإنسان، الذي يحلم ويبدع ويعاني ويبني، يطاوعه في آرائه وتوجهاته وهمومه وأحلامه؛ فيجلب له النعم أحيانا، والنقم أحيانا أخرى.

الْقَلَم جمع أقلاًم وقِلام وكذلك أقاليم. وهي أداة الكتابة المعروفة. ويسمى السهم كذلك بالقلم لأنه يبرى كما يبرى القلم؛ ومنها أيضا تقليم الأظافر. وجاء في سورة العلق: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم ) الآية؛ الذي علم الخط بالقلم، ويروى أن أول من خط به هو إدريس عليه السلام. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( أَوَّل مَا خَلَقَ اللَّه الْقَلَم ثُمَّ خَلَقَ النُّون وَهِيَ الدَّوَاة وفي َذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ" الآية). وفي سورة لقمان: " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام ..." الآية.

ومن الآيات السابقة يمكن تمييز القلم عن باقي أدوات الكتابة والتعبير البدائية. فالقلم مرتبط بالحبر. ويعتقد أن الصينيين هم أول من اخترع الحبر منذ أزيد من 2500 سنة قبل الميلاد. كما تثبت الرسومات الفرعونية القديمة استعمال الحبر بواسطة أقلام منذ تلك العصور.

وقد عرفت مختلف الحضارات استعمال العديد من أشكال أدوات الكتابة بالحبر غير الأقلام الخشبية؛ كأنواع ريش الطير، وخاصة ريش الإوز؛ وأنواع مختلفة من القضبان المعدنية برؤوس متنوعة للكتابة.

وكان أحد خلفاء المسلمين هو أول من استعمل قلم الحبر سنة ألف ميلادية، حيث أمر بأن يصنع له قلم يحمل في جوفه ما يكفي للكتابة مدة دون الحاجة إلى دواة حبر، فتم اختراع أول قلم حبر، وكان من الذهب الخالص. ولم تنتشر أقلام الحبر إلا خلال القرن التاسع عشر. وفي سنة 1884، اخترع الأمريكي ليويس واترمان نوعا جديدا من أقلام الحبر باعتماد نظام أنبوبة (أو خرتوشة) الحبر. وفي سنة 1938، اخترع الهنغاري لازيو بيرو قلم الحبر الجاف ذو الكويرة. وفي سنة 1953، طور البارون الفرنسي بيتش قلم الحبر الجاف ذي الكويرة؛ فجعله أقل تكلفة، وأرخص ثمنا، وصالحا للاستعمال مرة واحدة فقط دون اللجوء إلى تعبئته بالحبر؛ وهو ما أصبح يعرف بأقلام "بيك" الذائعة الصيت والواسعة الإنتشار.

 هناك أجيال مخضرمة بدأت علاقتها مع الكتابة ببري أقلام القصب وبلغت فيها التعامل مع الحاسوب، مرورا باستعمال أنواع عديدة من الأقلام. فلعل هذه الأجيال أكثر إدراكا لأهمية هذه الأداة، وربما كان لها بها رابط عاطفي خاص، بل وربما كان لذلك تأثيره على مسلكها اليومي، وعلى مستوى فكرها وعملها. وأسوق هنا قصيدة للشاعر العراقي أحمد مطر:

جَـسَّ الطبـيبُ خافِقي

وقالَ لي:

هَلْ ها هُـنا الأَلَـمْ ؟

قُلـتُ له: نَعَمْ

فَشَـقَّ بالمِشـرَطِ جَيـبَ مِعطَـفي

وأخْرَجَ القَـلَمْ !

هَـزَّ الطبيـبُ رأسَـهُ..  و مالَ ابتَـسَمْ

وقالَ لي:

ليسَ سِوَى قَـلَمْ

فَقُلـتُ: لا يا سَيّدي

هذا يَـد..  وفَـمْ

رَصاصة ..  ودَمْ

وَتُهمـة سافِرَة ..  تَمشي بلا قَدَمْ !

ومن أقوال العرب في القلم: "القلم الرديء كالولد العاق"؛ "القلم أحد اللسانين"؛ "القلم لسان اليد"؛ "القلم لسان البصر يناجيه بما استتر عن الأسماع إذا نسخ حلله وأودعها حكمه"؛  "القلم أنف الضمير إذا رعف أعلن أسراره وأبان آثاره"؛" القلم بريد القلب"؛ "الأقلام مطايا الفطن"؛ "القلم راقد في الأفئدة، مستيقظ في الأفواه"؛ "عقول الرجال تحت أقلامها"؛ "القلم صائغ الكلام ويفرغ ما يجمعه العلم"؛ "القلم أصم يسمع النجوى، وأخرس يفصح بالدعوى، وجاهل يعلم الفحوى"؛ "أمر الدين والدنيا تحت شيئين: قلم وسيف، والسيف تحت القلم"؛ " الدواة منهل والقلم ماتح والكتاب عطن"؛ "قلم برأسين" (مثل يضرب للمكائي)؛ "قلمه لا يرعف إلا بالشر"؛ "بجرة قلم" ...

ومن كلام مسلم بن الوليد الأنصاري في صفة بري القلم قوله: "حرف قطة قلمك قليلا ليتعلق المداد به وأرهف جانبيه ليرد ما استودعته إلى مقصده، وشق في رأسه شقا غير عاد ليحتبس الاستمداد عليه، ورفع من شعبتيه ليجمعا حواشي تصويره. فإذا فعلت ذلك استمد القلم برشفه بمقدار ما احتملت ظبته فحينئذ يظهر به ما سداه العقل وألحمه اللسان وبلته اللهوات ولفظته الشفاه ووعته الأسماع وقبلته القلوب".

وقال المتنبي:

الخيل والليل والبيداء تعرفني      والسيف والرمح والقرطاس والقلم

ولقب محمد سامي البارودي بشاعر السيف والقلم.

وسئل تولستوي: ماذا وجدت في القلم حتى هجرت الجندية من أجله ؟ قال: وجدت فيه قلبا ينبض.. وجرحا يلتئم .. وروحا تهيم.. وجدت في القلم نفسي التي قضيت سنوات طفولتي أبحث عنها.

 وقيل عن جولد سميث، الكاتب الإنجليزي المشهور، أنه أحمق الناس إلا حين يتناول القلم فهو إذن من أحكم الناس.

ومن عادة الحرفيين وضع القلم على الأذن لحكمة ما، ربما لسهولة الوصول إليه، أو لتجنب إضاعة الوقت في البحث عنه في الجيوب عند اللزوم. ويحكى أن أحد الحرفيين سقط من على دراجته، في حادثة سير، فأغمي عليه للحظة؛ وما أن استفاق حتى أسرع بتحسس أذنه للتأكد مما إذا كان القلم باق في موضعه.

وحصل صديقان على فرصتي عمل بإحدى الدول المشهود لها بخنق الحريات وتشديد الرقابة حتى على المراسلات. فقررا إجراء القرعة فيما بينهما ليسافر واحد منهما فقط كي يطلع الثاني على ظروف العيش هناك. ولتضليل الرقابة على المراسلات، اتفقا أن تكتب رسالة الإخبار بالقلم الأحمر إذا كانت الأوضاع هناك سيئة، وبالقلم الأزرق إذا كانت الظروف على أحسن ما يرام. وبعد مدة، وصلت الرسالة مكتوبة بالقلم الأزرق يقول فيها المهاجر أن الأوضاع جيدة، وظروف العيش حسنة جدا، وكل شيء متوفر ومتاح ما عدا الأقلام الحمراء فهي مفقودة.

Webmaster: Oulf@kr
E-mail: adrare_ma@yahoo.fr Fax:21237263170