أدرار يشكركم علىالزيارة ويرحب بكم


مقالات


الدلال في المغرب
حرفة بعبق الماضي العريق

حسن أوالفقر

الدَّلاَّل يُطلق على من ينادي على السلعة لبيعها، والدِّلاّلة بكسر الدال أو فتحها هي أجرة الدلال أو مهنته. وفي لسان العرب: الدَّلاَّل هو الذي يجمع بين البَيِّعَيْن، والاسم الدَّلالة والدِّلالة. وقال ابن دريد: الدَّلالة، بالفتح، حِرْفة الدَّلاَّل. وكان الدلال يسمى كذلك المبرطش. فقد ذكر التوحيدي أن "المبرطش" هو دلال تجاري. وجاء في كتاب "تاج العروس": »المبرطش أهمله الجوهري والصاغاني وصاحب اللسان وهو الدلال أو الساعي بين البائع والمشتري؛ وورد في الحديث كان عمر رضي الله تعالى عنه في الجاهلية مبرطشا ً«.

الدَّلاَّل يُطلق على من ينادي على السلعة لبيعها، والدِّلاّلة بكسر الدال أو فتحها هي أجرة الدلال أو مهنته. وفي لسان العرب: الدَّلاَّل هو الذي يجمع بين البَيِّعَيْن، والاسم الدَّلالة والدِّلالة. وقال ابن دريد: الدَّلالة، بالفتح، حِرْفة الدَّلاَّل. وكان الدلال يسمى كذلك المبرطش. فقد ذكر التوحيدي أن "المبرطش" هو دلال تجاري. وجاء في كتاب "تاج العروس": »المبرطش أهمله الجوهري والصاغاني وصاحب اللسان وهو الدلال أو الساعي بين البائع والمشتري؛ وورد في الحديث كان عمر رضي الله تعالى عنه في الجاهلية مبرطشا ً«.

الدلالة أو البيع بالمزاد من الحرف الموغلة في عمق التاريخ، عرفتها الحضارات اليونانية والرومانية القديمة. ففي روما القديمة كان البيع بالمزاد، بجميع أشكاله يسمى "أوكتيو"، والدلال كان يسمى "براييكو". وقد أجاز الإسلام البيع بالمزاد، حيث عرف ب"بيع من يزيد". فقد روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم باع حلسا وقدحا بيع من يزيد. وقد كره البعض البيع بالمزايدة على أساس الحديث النبوي: (لا يستام الرجل على سوم أخيه...)؛ غير أن الاستيام هو عندما يقبل البائع بثمن عرضه عليه مشتر ما، فيأتي مشتر آخر فيزيد عليه.

وقد ظل الناس يظلمون هذه الحرفة، ويذمون نفاق الدلال ورياء وساطته بين البيعين، ويستشهدون بحديث (أكذب أمتي الصواغون الصباغون وكذب الدلال مثل). وقالوا: لكل أحد رأس مال ورأس مال الدلال الكذب. وقالوا هو أول من دل إبليس حيث قال: "هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى" سورة طه. وكره ابن سيرين الدلالة، وكره قتادة أجرة الدلال لقلة استغناء الدلال عن الكذب والإفراط في الثناء على السلعة لترويجها. وأورد عبد الله العروي في كتاب "عمل ورأسمال" عن الغزالي عند كلامه عن الحرف المحمودة أن كبار الصحابة كانوا يكرهون حرفة الدلال لأن العمل فيها لا يتقدر.

ومن الأمثال الشعبية المغربية المكرسة لهذا الظلم: الدلال قتال روحين ( ويقصد به روح البائع وروح المشتري)، اللي اتبع نصيحة دلاله لا افضل لا راسماله (من عمل بنصيحة الدلال لا مكسب ولا رأسمال)، الدلال سارق وما يحشم لا من خاه ولا من ولد العم، للدلال عشرين وجها...

وأدلى جحا، هو الآخر، بدلوه في المسألة؛ حيث يحكى أنه أخذ حمارا هزيلا بطيئا ليبيعه في السوق؛ فأعطاه للدلال، فأخذ الدلال يقول: من يشتري حمارا قوي البنيان سريع الخطو، لا عيب فيه؟ ففكر جحا قليلا وقال: والله لأشترينه.. فأخذ يزايد مع المشترين حتى وقع عليه المزاد، فأعطى الدلال الثمن وعاد بحماره، وهو سعيد..

ولابد من التفريق بين الدلالة القضائية والإدارية التي تنظمها الجهات الرسمية، وبين الدلالة الاختيارية، التي تهمنا هنا في مظاهرها التقليدية؛ حيث يمكن التمييز، في هذه الأخيرة، بين شكلين: الدلالة المختصة، والتي يقوم فيها الدلال بالوساطة بين الصناع والحرفيين من جهة، والتجار من جهة أخرى (كالدلالة في أسواق السمك والزرابي والجلد الخ...). والشكل الثاني هو الدلالة العامة التي تقام في أماكن وأوقات معينة، كل يوم أو كل أسبوع، ليبيع فيها من شاء أي شيء عن طريق الدلال.

والدلالة، في شكلها التقليدي الأصيل، مهنة ما زالت تمارس إلى يومنا الحاضر في العديد من المدن المغربية العتيقة؛ وتقام بعد صلاة العصر. فمع حلول العصر كان ينتهي وقت العمل، خاصة بالنسبة لأهل الحرف والصنائع. ويؤكد ذلك المثل العامي المغربي: "إيلا لحق العاصر ما ابقى ما تعصّر"، وهو أصل مصطلح "العْصير"، الذي أصبح منتشرا بين الشباب المغربي، ويقصد به الفراغ والتفرغ. وربما، أيضا، كان وراء الادعاء المأثور بأن أهل مدينة سلا يصيبهم الحمق بعد العصر.

عادة ما يعلن عن بدء الدلالة، وهو ما يسمى ب"البريح"؛ ثم يقوم الدلال، أو أمين الدلالين إن كانوا كثر، بترديد ما يشبه ميثاق شرف، حيث يقول:

 » على الغني الكريم ... على الموجود ... على ما أعطى الله ... البايع يربح ... الشاري يربح ... من صلى على النبي يربح ... راه الدلال ما كا يضمن (لا يضمن) ... ما كا يتخلص (لا يقبض) ... واللي امشى له شي (من ضاعت منه حاجة) ربي كايخلف...  «.

ويأخذ الدلال ممن يعرضون حاجاتهم للدلالة ما عندهم، ويتنقل بها بين المشاركين في المزاد لمعاينتها، معلنا السعر الذي بلغته، ويعود من حين لآخر إلى صاحب البضاعة لاستشارته فيما عرض من سعر، إلى أن يقبل به. وحسب أهمية سوق الدلالة، إما أن يكون صغيرا في حلقة واحدة وبدلال واحد، أو كبيرا متفرعا بعدة دلالين، كل يعرض بضاعة مختلفة. وهو السوق الأمثل بالنسبة للبائع. ويقول في ذلك مثل مغربي شعبي: "الدلال رامي والسوق حامي والشاري أعمى" (فالدلال ماهر والطلب على السوق كبير والمشتري غير حاذق).

ويصور أحد الأمثال الشعبية الأمازيغية كيف كانت أسواق الدلالة مزدهرة في القديم، وكيف كان يكثر فيها الدلالون. فالمثل سوسي معروف "مانزاكين زا..؟ أسلهام أورينزا.." (كيف الحال..؟ البرنس لم يبع..). وهي حكاية شخص سلم برنسه (قلنسوة يسميها المغاربة السلهام) للدلال ليبيعها، ومع كثرة الدلالين وزحمة السوق، لم يعد يذكر لمن من الدلالين سلمها. فخاف إن سألهم سؤالا صريحا أن يتنكر له صاحبه، فيضيع عليه برنسه؛ فراح يسأل كل من لاقاه من الدلالين: كيف الحال..؟ فكانوا يردون عليه: بخير والحمد لله..إلى أن لقي الدلال المقصود، فرد عليه: البرنس لم يبع.. فقال له: نِعم الأمر رده لي. فجرى بها المثل.

ومع تسلم البضاعة من البائع، يأخذ الدلال مبلغا رمزيا يسمى "الفتوح"، كأتعاب لا يعيده وإن لم تبع البضاعة، وإن بيعت فإنه يأخذ عنها نسبة قد تتفاوت حسب أهمية السعر أو بالتراضي. وإذا كان الدلال يعمل في إطار مجموعة من الدلالين، تحت إمرة أمينهم، فغالبا ما يتم جمع كل ما حصلوا عليه وتوزيعه فيما بينهم بالتساوي.

وكما سبق ذكره، فأجرة الدلال تسمى في اللغة العربية الفصحى الدِّلالة، وقال اللحياني أن أجرة الدلال تسمى كذلك الحُلْوان، ولهذا المصطلح في اللهجة المغربية اشتقاق سائد وهو "الحْلاوة". وفي الإمارات العربية المتحدة يسمون أجرة أو نسبة ما يتقاضاه الدلال "تكه".

مناداة الدلال على السلعة لبيعها يسمى بالعامية المغربية "البريح"، ومن ذلك المثل المغربي " الموزونة لمباركة، والبريح لدلالها" (الجوهرة لصاحبتها المسماة امباركة والدلال لا ينوبه إلا الصراخ). وفي بعض البلدان يسمون الدلال براحا، وفي اليمن يسمونه فصالا. وقد يقوم الدلال بمهمة البراح سواء داخل سوق الدلالة أو خارجها، وذلك بالإعلان عن المفقودين والأشياء الضائعة أو المناسبات وغير ذلك. لكن البراح في المغرب تبقى حرفة مستقلة.

فضاءات الدلالة في الأسواق التقليدية، وما تحويه من عبق الماضي العريق، تحيي في ذهن الزائر مشاهد متمازجة من التاريخ القديم. فلعلك، عزيزي القارئ، تذكر تلك الصور البديعة التي وردت، متكررة مرات ومرات، في" ألف ليلة وليلة" في وصف أسواق الجواري، وفي وصف الدلال، وهو ينتظر حتى يجتمع سائر التجار ويزدحم السوق ويمتلئ بسائر أجناس الجواري، من تركية ورومية وشركسية وجرجية وحبشية؛ عندها ينهض قائما ويقول:

» يا تجار يا أرباب الأموال، ما كل مدور جوزة، ولا كل مستطيلة موزة، ولا كل حمراء لحمة، ولا كل بيضاء شحمة، ولا كل صهباء خمرة، ولا كل سمراء تمرة؛ يا تجار هذه الدرة اليتيمة، التي لا تفي الأموال لها بقيمة، بكم تفتحون باب الثمن؟ يا تجار يا أرباب الأموال من يفتح باب السعر في هذه الجارية، سيدة الأقمار الدرة السنية، زمرد السنورية بغية الطالب ونزهة الراغب؟ فافتحوا الباب فليس على من فتحه لوم ولا عتاب ... «.

وقد تغنى المطرب المغربي عبد الوهاب الدكالي بلسان الدلال في إحدى أغانيه الحديثة "سوق البشرية" (...مين يفتح المزاد مين يشري ... كل شيء يباع في سوق البشرية .. يا شاري يا شاري .. خذ ما يحلى لك .. ما دامت القيم انهارت .. والنفس الحرة اتهانت .. والناس عبيد اموالك...).

وإن كان عهدنا قد أخذ يبتعد عن المظاهر التقليدية لهذه الحرفة؛ فإن الدلالة استطاعت أن ترقى دون أن تفنى، وأن تتطور وتتجدد دون أن تموت. فقد تحول البيع بالمزاد إلى نظرية رياضية معقدة، طورت في الأربعينات من القرن الماضي، وبدأ تطبيقها على الاقتصاد والسياسة في السبعينات منه. وصدحت بأصوات الدلالين البورصات وقاعات المزاد في أعظم العواصم.

 وقد حصل عالم الاقتصاد الكندي "ويليام فيكري" على جائزة نوبل للاقتصاد سنة 1996 على أعماله حول نظرية المزاد. وتعددت أشكال المزاد (اختياري، قضائي، إداري) وتنوعت أساليبه. إلا أن البيع بالمزاد احتفظ، في العمق، بجوهر فكرته البسيطة في العرض والطلب والوساطة فيما بينهما. وأصبح المزاد هو كل آلية مهيكلة للمنافسة بغرض تحديد من سيحصل على الشيء المعروض للمزاد، وتحديد بأي ثمن سيحصل عليه.

وواكب التحول الذي يشهده الاقتصاد العالمي بالانتقال إلى المعاملات التجارية الافتراضية، التي تقدر بملايير الدولارات في الشهر، واكبه ظهور وتطور البيع بالمزاد عبر الانترنت أو الدلالة الافتراضية. وقد لقيت الدلالة الإلكترونية نجاحا باهرا، وتزداد انتشارا يوما عن يوم. في هذه الدلالة تعرض مختلف أصناف السلع من مأكولات وملابس وأواني وسيارات وعقارات وتحف فنية الخ... . الدلالة الافتراضية تمكن البائع والمشتري، على حد سواء، من بيع وشراء سلعهم بطريقة بسيطة وسريعة وفعالة. وفي هذا الصدد، ظهرت عدة مواقع مغربية على الانترنت منها موقع "دلالة كوم".

Webmaster: Oulf@kr
E-mail: adrare_ma@yahoo.fr Fax:21237263170