لا أحد يُقَدِّرُ ألم الصفعة حَقَّ قَدره، جسدياً ونفسياً، أكثر من المصفوع، الذي تلقّى صفعة تاريخية في حياته. فهو الأدرى بأن غور جرحها النفسي لا يندمل مع أفول تلك النجوم، التي تراءت له عندما اسودت الدنيا في وجهه، أو بانتهاء دوي وطنين الصفعة بالأذن، أو بزوال حمرة أصابع الصّافع من على الخد.

الصّفع لغة هو ضرب الـقَـفـا بالكف مبسوطة، وأصله هو الضرب على الصَّوْفعة، والصَّوْفَعَة هي أعلى الكُمَّة والعمامة، وهما غطاءان للرأس. ويطلق على الصفعة بالأمازيغية "أضَمِّيل" أو "أماريق". وفي الدارجة: "الطَّرْشَة" و"الصَّلْيَة" و"التصَرْفِيقَة". فالطرشة من الطرش وهو أهون الصمم، وربما سميت بذلك لما تحدثه الصفعة القوية على الأذن من طنين وشبه صمم. أما الصلية فمن صُلِيَ بالنار واصطلى بها، حيث شبهت سخونة وحر الصفعة بكي النار. أما التصرفيقة والتصرفيق فهو أقرب إلى التصفيق، وإحالة إلى التشبيه به، كما ذكر ذلك الشاعر في وصف توالي الصفعات:

وتخالفت بيض الأكف كأنها ال           تصفيق عند مجامع الأعراس

ولا عجب، إذن، أن يُطلِق العامة على من أرادوا نعته بالحمق "مصَرْفَقْ".  

وقد يَصفعُ الآباء والأزواج والمُستَقوون، كما كان يَصفعُ السادة والحكام والقضاة، أو يأمروا بالصفع، للعقوبة والتأديب، ولإجبار المصفوع على ترك عناده، أو لمجرد الإهانة والإيذاء. فالصفع، غالبا، ما يكون أمام الملأ. وغالبا، كذلك، ما يكون المصفوع أضعف من الصافع، فلا يستطيع رد الصفعة، ليس عملا بمقولة المسيح عليه السلام "من صفعك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر"، وإنما مكره المصفوع، لا متسامح.

فلا أحد يستحق الصفع، وإن كانت هناك ثقافة تكرس عكس ذلك، من مثل قول العامة: "ديك الطرشة واتات أو موالمة ذاك الحنك"، أو قولهم: "لو سقطت من السماء صفعةٌ ما سقطت إلا على قفاه".  

وذكرت عدة مراجع أن المصافعة كانت إحدى أشكال المباسطة السمجة في العهد العباسي، حيث كان ممارسوها يتبادلون الصفع مزاحا. كما ذُكر أن الأطباء كانوا يلجئون إلى الصفعة الشديدة على غفلة لعلاج اللقوة الضعيفة.

ويبقى الصفع مظهرا من مظاهر العنف، وشكلا من أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، وضيما لا يرضاه أحد. فهو وسيلة تعبير العاجز عن التعبير والإقناع لغة. فما أصدق قول الشاعر:

من صفع الناس ولم يمكـنـهـم                  أن يصفعوه بـدلا قـد اعـتـدى

وقد أبرزت الصحافة الوطنية، خلال شهر دجنبر الماضي (2006)، حدثين مرتبطين بالصفع.  الأول يتعلق بنائبة وكيل الملك بابتدائية سلا، والتي أمرت أحد رجال الشرطة، أثناء جلسة استنطاق متقاضيين بمكتبها، بصفع أحدهما في حضور المحامية التي كانت تنوب عنه، وذلك لأنه تجرأ وأخذ الكلمة، رغم أمرها الجميع أن يلتزموا الصمت، وأن لا ينطقوا بكلمة واحدة، إلا بإذنها. أما الحدث الثاني، فبطله رئيس قسم الشؤون العامة بعمالة الخميسات، والذي قام بصفع تلميذ، أمام أنظار عامل الإقليم، داخل مدرسة اقتحماها، والسبب شجار بسيط بين التلميذ وزميله ابن العامل.

وقد تؤدي الصفعة إلى ما لا تحمد عقباه، حتى بالنسبة للصافع. ويذكر، مثلاً، أن أباً من ذوي الأكفّ الضّخمة صفع ابنه فأرداه قتيلاً، ومات كمداً بالسجن. وصفع بدويٌّ، من ذوي الأكف الغليظة المشققة من حراثة الأرض، شخصاً فأفقده الوعي، ولما استرجع هذا الأخير وعيه، ذهب يشتكيه وقال: "ضربني بالبَالَه" (أي المجرفة).

وطلبت الممثلة اللبنانية رزان مغربي، أثناء تصوير مشهد من فيلم "حكم الغرام"، من زميلها الفنان خالد الصاوي أن يصفعها بحق، وبشدة، لكي يظهر المشهد طبيعياً، وعندما فعل سقطت أرضاً وفقدت الوعي، ولم تفق من إغمائها إلاّ في المستشفى.

 أما جحا فكما عهدناه يتميز حتى في الصفع. فقد أعطى ابنته إبريقاً لكي تملأه ماءً ثم صفعها صفعة قوية وقال لها: إياك أن تكسري الإبريق, فتعجب الحاضرون واستنكروا عليه ذلك. فقال: لا تعجبوا مما فعلت فأنا أريد أن أريها عاقبة كسر الإبريق فلا تكسره، وإلا فما جدوى الصفعة بعد كسر الإبريق؟

Webmaster: Oulf@kr
E-mail: adrare_ma@yahoo.fr Fax:21237263170