أدرار يشكركم علىالزيارة ويرحب بكم


مقالات
التعذيب وصمة عار على جبين البشرية
حسن أوالفقر

لطالما تساءل المفكرون والباحثون: كيف يمكن أن تكون من طبيعة الإنسان كل تلك الخشونة والغلظة، التي تجعله يستخف بآلام المحرومين..؟ وكيف يمكن أن يتقمص كل تلك القسوة الضارية، وذاك العنف الدموي، ليستأسد على الضعفاء، ويسجل في تاريخ البشرية كل تلك الصفحات السوداء من العسف، وألوان القهر، والخطوب، والأهوال..؟

 ويظل التعذيب، الذي لا يذكر التاريخ متى مورس لأول مرة، منتهى التدني وقاع الهبوط في سلوك البشرية عبر التاريخ. هذا التاريخ الزاخر سجله بالعباقرة والمبدعين والمخترعين، طافح بالطغاة الساديين المتفننين في أساليب البطش والتعذيب. فلم تسلم حضارة ولا عصر من العصور، من مثل فظائع التعذيب؛ فمنذ فجر التاريخ إلى يومنا هذا، مرورا بالفرس والإغريق والصينيين والفراعنة والقرطاجيين والرومان والعرب والنازيين والصهاينة...الخ، امتدت هذه الغريزة الوحشية تعتمل في أعماق الإنسان، وتتخذ لها أشكالا وألوانا متأقلمة مع الظروف والواقع.

 ويذكر التاريخ القديم والحديث ما لا يصدقه عقل بشر سوي من أصناف التعذيب، كالإعدام بالحرق حيا أو رجما، وقطع الجسد إلى نصفين بالمنشار، وفقء العيون، والخصي، ونهش الكلاب المتوحشة، وخلع المفاصل، والجلد والفلقة، والضرب على المناطق التناسلية، وقطع الآذان، وقلع الأظافر والأضراس، والاعتداءات الجنسية، والاغتصاب، والإجهاض، وصب الملح والخل على الجروح، والشحنات الكهربائية، واستخدام الضحايا كعينات للتجارب الكيميائية والبيولوجية ...الخ. أضف إلى هذا كله أشكال أخرى، لا عد ولا حصر لها، من ألوان التعذيب المعنوي والنفسي.

وأحيانا يكفي ذكر بعض الأسماء لتقشعر الأبدان وترتعش الفرائص، كالإمبراطور الروماني السفاح كاليغولا المشهور بمقولته: "كنت أتمنى لو أن لكل الرومان عنقا واحدة"؛ ونيرون، ونابيس، والحجاج بن يوسف الثقفي المشهور كذلك بخطبته التي منها: "… يا أهل الكوفة إني لأرى أرؤسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها.."؛ وهتلر، وشارون ...الخ؛ وغيرهم كثير ممن شكلوا صورة مجسمة للظلم، ومثالا بالغا للطغيان، وأصبح مجرد ذكر اسمهم يستدعي في الحال معاني الظلم والاستبداد.

ومنذ الحرب العالمية الثانية نمت حركة عالمية قوية لمناهضة التعذيب. وبتبني الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948، أقر المجتمع الدولي مبدأ عدم تعرض أي إنسان للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة وحماية جميع الأشخاص من التعرض لها. حيث تنص المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه : "لا يُعرَّض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو المحطة بالكرامة". . وبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي اعتُمد في العام 1966، لا يجوز أبداً تقييد هذا الحق، حتى "باسم حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة" (المادة 4). كما أن القانون الإنساني الدولي، الذي يعرف عموماً باسم قوانين الحرب، يمنع التعذيب والمعاملة السيئة منعاً باتاً

وبعد افتضاح عدد من الانتهاكات والخروقات في عدد كبير من البلدان مع بداية السبعينات،  اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دجنبر 1975 "إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة". وفي العاشر من دجنبر 1984 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة " اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، والتي دخلت حيز التنفيذ في 26 يونيو 1987. وتعرف هذه الاتفاقية التعذيب على أنه: "أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث - أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية".

وفي سنة 2002، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والذي يخول للمنظمات الوطنية والدولية المستقلة إمكانيات زيارة الأشخاص المحتجزين وأماكن احتجازهم.

وبموجب "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة"، أحدثت "لجنة مناهضة التعذيب"، التي تسهر على احترام الدول الأطراف لالتزاماتهم بمقتضيات الاتفاقية. وتقدم الدول الأطراف للجنة تقارير عن التدابير التي اتخذتها تنفيذا لتعهداتها بمقتضى الاتفاقية، وذلك في غضون سنة واحدة بعد بدء نفاذ الاتفاقية. وتقدم الدول الأطراف بعد ذلك تقارير تكميلية مرة كل أربع سنوات عن أية تدابير جديدة تم اتخاذها، وغير ذلك من التقارير التي قد تطلبها اللجنة

ولا تقتصر آليات مناهضة التعذيب على تلك المنصوص عليها في اتفاقية مناهضة التعذيب، بل هناك نظام مركب من الآليات المتقاطعة، فمثلا هناك "مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب"؛ وهو مكلف من "لجنة حقوق الإنسان" التابعة لمنظمة الأمم المتحدة بإصدار تقارير بخصوص وقوع التعذيب والقضايا المرتبطة به؛ وكذلك "اللجنة المعنية بحقوق الإنسان" تفحص التقارير المقدمة من الدول الأطراف في "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، وتنظر في الشكاوى الفردية من البلدان التي صدقت على البروتوكول الاختياري الأول الملحق بهذا العهد؛ وهناك "لجنة حقوق الطفل"، التي تراجع تقارير الدول الأطراف في اتفاقية حقوق الطفل؛ وآليات أخرى تعنى بموضوعات بعينها مثل "مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالعنف ضد المرأة".

وإضافة إلى هذه المنظومة الأممية هناك، بشكل أساسي، عدد كبير من المنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية، والتي تشكل، مع كل أحرار العالم، قاطرة الحملة العالمية لمناهضة التعذيب. ومع ذلك، لا تكفي كل هذه الآليات والتشريعات وحدها للقضاء على هذه الظاهرة؛ فلا بد من مواصلة تعبئة الرأي العام وزيادة الوعي بالتعذيب وكيفية منعه، خاصة عن طريق التعليم والتربية على احترام القيم الإنسانية، من أجل إقامة عالم يحفظ للإنسان كرامته وسعادته ورخاءه.

Webmaster: Oulf@kr
E-mail: adrare_ma@yahoo.fr Fax:21237263170