أدرار يشكركم علىالزيارة ويرحب بكم


!...الديك الرومي أمريكي

في اليوم الموالي للزيارة الخاطفة التي قام به الرئيس الأمريكي جورج. و. بوش، خلسة، إلى بغداد، يوم الخميس 27 نونبر 2003؛ صدرت الصحف العالمية بعناوين وتعليقات ساخرة، وجدت مادتها التهكمية في الديك الرومي. فقد نشرت معظم الصحف صورة الرئيس الأمريكي حاملا طبق الديك الرومي بين الجنود الأمريكيين في مطار بغداد الدولي. واعتبرت صحيفة "واشنطن بوسط" أن هذه الصورة يجب أن توضع إلى جانب الرموز الكبرى للمسرح السياسي. وعنونت "الأندبندانت" البريطانية تعليقها على الحدث ب"الديك الرومي حط" في إحالة إلى "النسر حط"، والذي كان العنوان الشهير لهبوط الأمريكيين على سطح القمر يوم 21 يوليوز 1961. وبدأت وكالة "أشوسيتد بريس" خبرها ب:"كانت مدة الزيارة كافية فقط لأخذ صورة تذكارية مع الديك الرومي فعاد أدراجه". ونقرأ أيضا من باقي العناوين: "ديك رومي للعراق"، "الديك الرومي، وكرة القدم الأمريكية، وبوش في بغداد بمناسبة عيد الشكر"، "بوش في العراق لصيد الديك الرومي والأصوات"، الخ...

ولم يكن صدفة توارد ذكر الديك الرومي كرمز تقاطع بين مختلف تعليقات وإيحاءات الصحافة العالمية، فالأمريكيون يكنون معزة خاصة للديك الرومي، وتربطهم به أواصر تاريخية وعلاقات قد نأتي على ذكر بعض منها فيما سيلي من هذا الموضوع.


فمن المؤكد أن الديك الرومي، وهو طائر من فصيلة الدجاجيات، أصله من أمريكا؛ حيث أثبتت الحفريات تواجده هناك قبل عشرة ملايين سنة.  واستطاع الهنود الحمر تدجينه وتربيته، واستعملوا ريشه للزينة وتقويم السهام. واستقدمه الأسبان إلى أوروبا في القرن السادس عشر. وكان كريستوف كولومب هو من أطلق عليه اسم "الديك الهندي"، كما أطلق على سكان أمريكا الأصليين الهنود الحمر، اعتقادا منه أنه نزل بالهند وليس قارة جديدة عليه. واسمه العلمي هو: meleagris gallopavo أو méléagride gallinacé؛ ومعناها باللاتينية شبيه الديك. واسمه في اللغة الفرنسية Dinde (Dindon للذكر) وأصلها Poule d’Inde، أي دجاجة الهند. أما اسمه بالإنجليزية فهو: Turkey، وأصله غامض ومختلف حوله. ولم يعرف العرب الديك الرومي (أو الديك الهندي، أو الديك الحبشي) إلا حديثا؛ وفي العامية المغربية يطلق على الديك الرومي: "بيبي"، وأصله أيضا غير معروف، فربما كان أصله الاسم الناذر في العربية ويقصد به الحر أو الحرة.

يتراوح وزنه ما بين 6 و20 كلغ (وقد سجل غينيس في كتابه للأرقام القياسية أن أكبر ديك رومي محشي وصل وزنه 39،09 كلغ)، ويبلغ حجم بيضة الدجاجة الرومية ضعف حجم الدجاجة العادية، وتفرخ بعد 28 يوما من الحضانة. وتضم كل مائة غرام من لحم الديك الرومي ثلاثة غرامات من المواد الذهنية، و22 غراما من البروتينات، و119 سعرة حرارية. لحم الديك الرومي أقل نعومة وأجف من لحم الدجاج العادي؛ وكلما زاد وزنه كلما قل طعمه.

والديك الرومي طائر مزهو وعصبي المزاج؛ ضخم الجثة، قبيح الشكل، مشيته غريبة، وصوته مزعج، يتمتع بحاستي ذوق وسمع قويتين؛ يعتبر من الحيوانات الغبية، حتى قيل عنه أنه مثال حي على أنه باستطاعة الحيوان أن يعيش دون ما حاجة إلى الذكاء. والديك الرومي يركض بسرعة 30 كلم في الساعة، ويستطيع الديك الرومي المتوحش التحليق لمسافة كيلومترين دون الضرب بجناحيه. ورؤيته تشمل محيط دائري قدره 270 درجة، ويتعرف على مختلف الألوان.

ولعل السر في انتشار ظاهرة الديك الرومي في أيامنا هذه، هو ما يتمتع به من قدرة على النمو بأقل تكلفة من باقي الدواجن؛ ففي الوقت الذي يحتاج فيه العجل إلى ثماني كيلوغرامات من الطعام لينتج كيلوغراما واحدا من لحمه، لا يحتاج الديك الرومي سوى إلى كيلوغرامين من الطعام؛ ولا تشكل العظام وباقي الزوائد سوى 21 في المائة من وزنه، ولا يشكل الشحم فيه سوى نسبة 8 في المائة. إضافة إلى اللجوء إلى بيع لحمه بالتقسيط.

يستهلك في العالم حوالي 40 مليون ديك رومي سنويا؛ تذبح منها 11 مليون في أعياد رأس السنة فقط.  فحسب الإحصائيات، كان عدد طيور الديك الرومي بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1975 يصل حوالي 124 مليون طائر، وأصبح عددها سنة 2003 حوالي 269 مليون طائر؛ أي تقريبا ديك رومي لكل مواطن أمريكي. ومع ذلك، تبقى إسرائيل هي أكبر مستهلك للحم الديك الرومي؛ فحسب إحصائيات لمنظمة الفاو تعود لسنة 1996، تستهلك إسرائيل 11,3 كيلوغراما للفرد في السنة، تليها الولايات المتحدة الأمريكية ب 8,4 كلغ، ثم فرنسا في المرتبة الثالثة ب 6,3 كلغ.

وقد شنت جمعيات الرفق بالحيوان عدة حملات لحماية هذا الطائر، خاصة خلال أعياد رأس السنة، وفي عيد الشكر؛ الذي يخلد في الخميس الرابع من شهر نونبر، احتفاء بذكرى نجاة أول المهاجرين الأوروبيين إلى القارة الأمريكية، ورسو سفينتهم على شواطئها حيث استقبلهم الهنود السكان الأصليين لأمريكا، وذبحوا لضيافتهم الديك الرومي، الذي أصبح هو الطبق الرئيسي للاحتفال بهذه الذكرى.   

واستجابة لحملات حماية الديك الرومي، قرر الرئيس الأمريكي جورج. و. بوش الصفح عن الديك الرومي الذي كان سيذبحه في السنة الماضية (2002) وأخذت له صور عديدة معه؛ لكن ديك هذه السنة (2003) نال نصيبه من ويلات حرب الخليج، فقد ضحى به الرئيس شكرا على انتصاره، واقتسمه مع جنوده في مطار بغداد.

ويعيدنا هذا الأمر إلى موضوع العلاقة بين الديك الرومي والأمريكيين، فقد كان لحم الديك الرومي هو أول وجبة تناولها رواد الفضاء الأمريكيين في أول هبوط لهم على سطح القمر. وسميت إحدى المحاولات الأمريكية لإسقاط جمال عبد الناصر بعملية "اصطياد الديك الرومي". وذهب الرئيس الأمريكي الأسبق ينجمان فرانكلن إلى حد اقتراح أن يكون الديك الرومي شعارا وطنيا أمريكيا؛ لكن اقتراحه قوبل بالرفض، واختير النسر ذو الرأس الأبيض كشعار وطني أمريكي.

حسن أوالفقر
Webmaster: Oulf@kr
E-mail: adrare_ma@yahoo.fr Fax:21237263170