أدرار يشكركم علىالزيارة ويرحب بكم


كيف لا يجن البقر...!؟

"يلوون ألسنتهم بالكلام كما تلوي البقر ألسنتها بالحشائش"
    منذ اكتشف الإنسان سر حلمات البقرة وفوائد حليبها، وهو مدمن على التماس مشرب من ضرعها، وعلى سماع صوت شخب الحليب، يطربه رنين السائل السحري في آنيته؛ لا يهمه فطام العجل قبل الأوان، وقد لا ينتبه إلى أن البقرة هزلت وجف ضرعها. وإذا سقطت البقرة "تايكثروا المواس".

تشابه البقر علينا

سورة "البقرة"هي السورة التي ذكرت فيها البقرة في قوله تعالى: "وإذ قال موسى لقومه إنّ اللهَ يأمركم أن تذبحوا بقرةً، قالوا أتتخذنا هُزُؤاً، قال أعوذ باللهِ أن أكون من الجاهلين، قالوا ادْعُ لنا ربّك يبين لنا ما هي، قال إنه يقول إنها بقرةٌ لا فارِضٌ ولا بِكرٌ عَوَانٌ بين ذلك فافعلوا ما تُؤمَرون، قالوا ادْعُ لنا ربّك يبين لنا ما لونها، قال إنه يقول إنها بقرةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لونها تَسُرُّ الناظرين، قالوا ادْعُ لنا ربّك يبين لنا ما هي إنّ البقَرَ تَشَابَهَ علينا وإنّا إن شاء الله لمهتدون، قال إنه يقول إنها بقرةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرضَ ولا تَسْقي الحَرثَ مُسَـلَّمَةٌ لا شِـيَةَ فيها، قالوا الآن جِئْتَ بالحَقِّ فذبحوها وما كادوا يفعلون".

جاء في تفسير النسفي أن رجلا موسرا اسمه عاميل، قتله بنو عمه ليرثوه، وطرحوه على باب مدينة، ثم جاؤوا يطالبون بديته، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله: "واضربوه ببعضها،كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته". وكانوا يتلكؤون إما لغلاء ثمنها، أو خوف الفضيحة في ظهور القاتل.

وبخصوص البقرة، يقول النسفي أنه كان في بني اسرائيل شيخ صالح له عجلة، فأتى بها الغيضة، وقال :اللهم إني استودعتكها لابني حتى يكبر، وكان برا بوالديه، فشبت البقرة وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها، اليتيم وأمه، حتى اشتروها بملء مسكها ذهبا.

وقيل إنما أمروا بذبح البقرة، دون غيرها من البهائم، لأنها أفضل قرابينهم، ولعبادتهم العجل، فأراد الله أن يهون معبودهم عندهم.

والبقر مقدس عند الهندوس، من قتل البقرة في ملتهم يحرق بنار جهنم. والبقرة توضع في مقام أم للهندوس جميعهم، لأنهم يشربون حليبها مثلما رضعوا حليب أمهاتهم.

عينا البقرة

تنتمي البقرة لقسم الفقاريات، وفصيلة اللبونات، ورتبة مزدوجات الأصابع، وعائلة مجوفات القرون. للبقرة عينان مستديرتان، إلى حد ما جاحظتان. ونظرتها دائما عطوفة. ويعتقد أنها ترى الأشياء بشكل مكبر. مما يجعلها تخاف كلما اقترب منها شخص ما بشكل فجائي. ولذلك ينصح الاقتراب من البقر بتمهل ولطف. وفي دراسة علمية حول سلوك البقرة، شملت 66 بقرة دنماركية؛ خلص باحثون دنماركيون إلى أن البقرة حيوان متعقل ومتبصر وربما أذكى من الكلب، وأن البقرة تثق بمن يعاملها جيدا، كما أنها قادرة وبسرعة على تجنب شخص يسيء معاملتها. حباها الله بجهاز هضمي فريد يمكنها من استيعاب كميات كبيرة من مستخلصات النبات. والبقرة تتبختر في مشيتها، وفي ذلك قال الشاعر:

يتمشين كما تمشي القطا ... أو كما يمشي جِلَالُ البقرات

قرون البقرات جوفاء، قوية وصلبة. تعتبر رمز جنسها وقوتها وإنجابها. فهي توجد في أشكال وألوان مختلفة. وغالبا ما تحدد القرون لوحدها نوع البقرة وأصلها. كما أن طول القرن يكشف عن سن البقرة. وكلما أنجبت البقرة إلا وتكونت حول جدع القرن دائرة على شكل خاتم. وتصنع من قرون البقر الأمشاط ومقابض الخناجر.  وتقطع قرون البقر لكي لا يصيب بعضها البعض بجروح بليغة. بل وأصبحت تعدل جينات البقر لتولد بدون قرون .. حتى لا يقال بعد ذلك "كمن يمسك بقرني البقرة ويحلبها غيره". 

ذنب البقرة

رغم أنه يشبه معظم أذناب باقي الحيوانات، بشكل عام، إلا أنه أقرب شبها إلى ذيل الأسد. رقيق مرن ومتحرك ينتهي بظفيرة. تستخدمه البقرة لطرد الذباب وغير الذباب من المزعجين. وعندما ترفع ذنبها وتتركه قائما، فتلك علامة قرب خروج إفرازاتها ودعوة للابتعاد.
وكان العرب في الجاهلية إذا استسقوا، في قحوط القطر، جعلوا السَّلَعَة َ والعشّر (نبات وقيل شجر مر) في أذناب البقر، وأشعلوا فيه النار، فيستمطرون بلهب النار المشبه بسنى البرق.  وفي ذلك قال الشاعر:
لا دَرَّ دَرُّ رجال خاب سعيهم ... يستمطرون الأزمات بالعشر 
أجاعل أنت بيقورا مسلعـة ... ذريعة لـك بـين اللـه والـمطـر
ومن الأمثال العربية: الذل في أذناب البقر.
وقال الشاعر ابن سودون:
عـَجـَبٌ عَـجَـبٌ عَـجَـبٌ ... بَـقَـرٌ تـمشـي ولـهـا ذَنَــبٌ
ولـهـا في بُـزْبُـزِهـا لَـبـنٌ ... يـبـدو للنــاس إذا حَـلـبــوا
لا تَغضَبُ يوما إذا شُتِمَتْ ... والناسُ إذا شتموا غَضَبُوا

ضرع البقرة

لضرع البقرة أربع حلمات (أخلاف)، يلتقمها العجل ليمتص حليب أمه، أو تعصرها أيدي الإنسان أو الأنابيب الآلية. وهناك أصناف من الأبقار، طور نسلها، تنتج حوالي 3500 ليتر من الحليب سنويا، وحالات استثنائية تصل إلى 12 ألف ليتر سنويا، بينما لا يتجاوز إنتاج البقرة العادية 500 ليتر سنويا. ومشهور لدى العامة "البقر الهولاندي" ، وهو النوع المعروف بHolstein، وهي بالفعل بقرة أصلها هولندا وتوجد حاليا في جميع البلدان، وهي بيضاء ببقع سوداء كبيرة، وتعد من أجود البقر الحلوب.

ويتركب الليتر الواحد من الحليب من 902 غراما من الماء، أي 87 في المائة، و130 غراما من المواد الجافة، أي 13 في المائة. وهذه المواد الجافة تتوزع كالتالي: 4,8 % سكريات، 4,1 % دسم، 3,3 % بروتينات،  و0,8 % أملاح معدنية.

وتصنع من الحليب منتوجات كثيرة ومتنوعة، خاصة أنواع السمن والأجبان والياوورت.

ولتكون البقرة حلوبا لابد لها أن تلد. وتبدأ الدورة الإنجابية لدى البقرة في شهرها الخامس عشر، وتستغرق فترة الحمل تسعة أشهر (كالمرأة تماما). وعندما يولد العجل، وإن كان يأكل العشب منذ الوهلة الأولى، فإنه في حاجة إلى الرضاع من ضرع أمه لمدة ستة أشهر.  لكن الواقع، وبسبب شراهة الإنسان، يشهد مأساة فصل العجل عن أمه بعد ثلاثة أيام فقط من ولادته، فيحرم من الرضاعة ومن حنان الأم، وتحرم البقرة من رضيعها وأمومتها . وتضطر للحمل بشكل دوري متواصل لتظل حلوبا، الى أن يجف ضرعها وينضب حليبها،  فيكون الذبح مصيرها.

وأكدت العديد من الدراسات أن البقرة تدر حليبا أقل عندما تخاف ممن يقوم بحلبها إذا لم يكن لطيفا معها . والبقرة تتعرف على الألوان وترتاح للون الأزرق، الذي يرتديه الرعاة والعمال الذين يهتمون بها. وتدر البقرة داخل اصطبلات مكيفة حليبا أكثر بزيادة تصل ثلاثين في المائة . وكذلك يزداد إنتاجها من الحليب عندما تستمع للموسيقى.

وكان لأحد الفلاحين دجاجة لم تعد تبيض، فكان يمر عليها كل صباح ليرى إن كانت ستبيض.  فضاقت الدجاجة درعا بطريقة فحصه لها، فراحت تشتكي أمرها للبقرة، مستغربة أن يغرس أصبعه في أستها ثم ينصرف لحاله وكأن شيئا لم يكن. فقالت لها البقرة:  وما عساني أقول أنا التي يداعب كل يوم، منذ خمس سنوات، حلمات ضرعي، ولم يقبلني ولو مرة واحدة.   

ومن الأمثال الشعبية حول حليب البقرة:  "مللي عطفت البقرة اتهرس الحلاب"، "إيلا سديتي قربة اللبن كايسد الله ضرع البقرة"، "إيلا اعمل المنحل ســر ســر تايعمل الحليب فــر فــر"، "الزرع من الزرع والحليب من الضرع".  ومن الأمثال الشعبية المصرية: "أقول ثور يقول احلبه".

جنون البقر

في سنة 1986، اكتشفت بالمملكة المتحدة أول حالة للمرض الدماغي البقري الاسفنجي الشكل Encéphalopathie  spongiforme  bovine، والذي أصبح يعرف فيما بعد بمرض "جنون الأبقار". ويعتقد أن سبب هذا المرض هو تغذية الأبقار بمواد مصدرها حيوانات ملوثة، غير قابلة للاستهلاك البشري. وخاصة الخرفان المصابة بمرض الرجفة.

 وفي سنة 1993، بلغ المرض ذروته في بريطانيا، حيث كانت تسجل 800 حالة أسبوعيا، وفي هذه السنة كذلك توفي أحد مربي الأبقار البريطانيين بمرض Creutzfelt-Jacob النادر، وهو ما اعتبر دليلا على انتقال "جنون الأبقار" إلى الإنسان.

عندها عم الرعب، فقد تم استهلاك حوالي 675000 مصابة ما بين 1981و1988، قبل ظهور أعراض المرض. وتم قتل أزيد من 170000 بقرة، في بريطانيا وحدها.  إلا أن آراء العلماء انقسمت حول مدى خطورة المرض على الإنسان.  ففريق، ومنهم خبراء منظمة الصحة العالمية، يرى بأن الأمر لا يستدعي كل هذا الخوف والرهبة، لأنه مرض نادر.  ويصف البعض مرض جنون الأبقار بأنه مجرد "داء اقتصادي".  في حين يرى فريق ثاني أن الأمر خطير للغاية، ويذهب إلى حد تشبيه خطورته بداء السيدا.

ولا يمكن لعاقل أن يستغرب في البقر جنونه، خاصة إذا علم أن الإنسان بلغ به جشعه حد استخدام الجرائد القديمة لأعلاف الأبقار. وتصوروا معي كيف يمكن أن تكون عليه معنويات البقرات المسكينة، بعد إطلاعها على كل المصائب والكوارِث التي تزخر بها الجرائد. والأسوأ أن عليها هضم كل ذلك، فكيف لا تجن البقرات.

حسن أوالفقر
Webmaster: Oulf@kr
E-mail: adrare_ma@yahoo.fr Fax:21237263170