1/3

أعواد الثقاب، أو أعواد الكبريت، أو كما يسميه المغاربة "لوقيد"، هي تلك القطع من الخشب، أو الورق المشمع، التي لم يكن يخلو منها أي بيت، ولا يستغني عنها أي شخص مدخن، لأنها كانت الوسيلة الميسرة والرخيصة لإيقاد النار. كما أن العامة كانت تستعملها لتنظيف الأسنان والأذنين، وكانت لها فيها مآرب أخرى.

وأصل اسم أعواد الثقاب من الثَّقب (بالفتح) بمعنى الحرق النافذ. والعرب تقول أثقب نارك أي أضئها للموقد. ومن ذلك قولهم شهاب ثاقب، والنجم الثاقب والكواكب الثاقبة أي المضيئة. أما أصل اسم أعواد الكبريت فهو واضح، من الكبريت المستعمل على أطراف الأعواد. و"لوقيد" أصله من وقود النار، وقِدت النار وقِدا ووقِيدا.

وكانت كيفية إشعال النار، لاستعمالها، من أهم المشاكل التي واجهت الإنسان الأول، فاهتدى إلى طرق بدائية لإيجاد الشرر، كحك قطعة من الخشب فوق قاعدة خشبية، وطَرْق الحجارة ببعضها، قبل أن يكتشف خاصية حصى الكبريت. واعتبارا للشرر الذي تحدثه هذه الوسائل البدائية، يمكن القول أن الولاعة، أو "البريكة" أسبق اختراعا من أعواد الثقاب، وخاصة عند الرومان القدامى، الذين استعملوا ولاّعات معدنية.

وكان الصينيون قد توصلوا، في القرن السادس الميلادي، إلى ابتكار أعواد من الصنوبر مبللة رؤوسها بالكبريت. إلا أن هذه الأعواد لم تكن تشتعل إلا بعد التقائها بشرارة نابعة من إحدى طرق إيقاد النار السابقة. ولم تظهر أعواد الثقاب التي تشتعل للوهلة الأولى بتفاعل كيميائي، أو بواسطة احتكاك، إلا في بداية القرن التاسع عشر الميلادي. فقد تم ابتكار أعواد الثقاب في سنة 1805 من طرف الفرنسي ك. شانصل. وأول عود ثقاب يشتعل بالاحتكاك من ابتكار الإنجليزي جون وولكر سنة 1827. وفي سنة 1931، أنتج طالب الكيمياء الفرنسي شارل ساوريا أول عود ثقاب يُشعل عند احتكاكه بأي سطح إذ احتوى رأس الثقاب على مادة الفوسفور. وسجل الأمريكي ألنزو دي فيليبس حق اختراع أول عود ثقاب فوسفوري بالولايات المتحدة الأمريكية، سنة 1836.

صرخت الأم غاضبة في وجه ابنها، وهي تنتزع من بين يديه علبة أعواد الثقاب: ماذا سأفعل لك لكي تتوقف عن اللعب بأعواد الثقاب؟ فرد الصغير بعفوية وبراءة: اشتري لي ولاّعة !

بعد أن أمضى وقتا طويلا يحاول إشعال عود كبريت من دون جدوى، قال شخص لزميله في "السبسي" (أصحاب الكيف كانوا أكثر استهلاكا للوقيد): لا أدري ما بال هذا العود يرفض الاشتعال رغم أنه كان مشتعلا قبل قليل!


2/3

بدأت صناعة أعواد الثقاب بالمغرب منذ سنة 1937، حين أحدثت بمدينة تطوان شركة  "Fosforera Marroqui" التي أصبحت المعمل المغربي للوقيد. وفي سنة 1952 أنشأت الشركة السويدية "Diversam" مصنعها بالمغرب، لتنتج أعواد الثقاب الخشبية المعروفة "العربة"، وأعواد الثقاب "الفرس" من الورق المشمع. وظلت هذه الشركة تسود في السوق المغربية إلى حدود سنة 1972، حيث دخلت معها في المنافسة شركة "Comaral"، التي كانت نتيجة شراكة مغربية إيطالية، واشتهرت هذه الأخيرة بأعواد الثقاب الخشبية المعروفة ب"الفراشة"، و"الوردة" من الورق المشمع.

وازدهرت مبيعات الوقيد العربة والفراشة للشركتين معا ما بين سنتي 1972 و1980، حيث انتقلت مبيعاتهما من مليوني علبة في الشهر إلى عشرة ملايين علبة في الشهر، بالمناصفة تقريبا. وأمام المنافسة الشرسة للولاعات، التي اكتسحت السوق المغربية بأثمان رخيصة، استطاعت "الفراشة" أن تقاوم وتحافظ على مستوى مبيعاتها في حدود خمسة ملايين علبة في الشهر، حتى سنة 2006؛ في حين انهارت العربة، وهوت مبيعاتها إلى خمسمائة ألف علبة في الشهر. وفي سنة 2006 اقتنت "Comaral" منافستها في السوق المغربي "Diversam" فأصبحت شركة واحدة تحت اسم "Diversam-Comaral"، توزع "العربة" و"الفراشة" إلى جانب أنواع "السبع" و"الوردة" و"النسر".

وللإبقاء على شعلة الوقيد متقدة، أمام عاصفة الولاعات، إضافة إلى الأسعار غير المرنة، على اعتبار أن أعواد الثقاب من مواد الاستهلاك الأساسية التي تقنن أسعارها؛ حمّلت علب الوقيد رسائل إشهارية، وساهمت في حملات التوعية بالمواطنة لجمعية آفاق، والإشهار لترشيح المغرب لاستضافة إقصائيات كأس العالم 2010. ورغم كل ذلك، وقبل أن تنطفئ أعواد الثقاب، أشعلت الشركة شموعا، عملا بالمثل القائل: لا تطفئ عود الثقاب قبل أن تتأكد من أن الشمعة مشتعلة. فبالإضافة إلى أعواد الثقاب، تنتج الشركة تشكيلات متعددة من أنواع الشموع المختلفة، إضافة إلى منتوجات أخرى عديدة، من بينها نوع من الولاعات.

منكوبان من ضحايا الفيضانات، وجدا نفسيهما محاصرين في جبل، منهكين من شدة التعب والبرد، ومن حسن حظهما أن واحدا منهما كانت معه علبة أعواد الثقاب، فجمعا حطبا ليشعلا نارا تدفيهما، وعندما أرادا إشعال النار وجدا أعواد الثقاب مبللة، فجففاها بثيابهما وحاول أحدهما إشعالها عودا بعد آخر، لكن من دون جدوى، إلى أن تبقى عود كبريت واحد في العلبة، فحاول معه بعناية، فاشتعل، لكن صديقه أسرع ونفخ فيه فأطفأه قائلا: حسنا هذا ما زال صالحا لنحتفظ به!


3/3

إجراء منع ولوج منتجات أجنبية للمغرب بسبب إساءتها للإسلام ليس وليد اليوم. ففي عهد السلطان الحسن الأول (1873 - 1894)، استورد تجار مغاربة أعواد الثقاب كتب على علبها اسم الله واسم النبي، مما أثار استياء نخبة الفقهاء، وعلى رأسهم جعفر بن إدريس الكتاني، الذي ألف في ذلك كتاب: "الغيث المدرار، والسر المعمار، فيما يتعلق باسم النبي المختار، المكتوب على صناديق النار" (صناديق النار كانت تطلق على علب أعواد الثقاب)، ووجه في ذلك رسالة إلى السلطان، الذي أصدر أمرا،  بمنعها وحجزها، جاء فيه: "فقد بلغ لعلمنا الشريف ما حدث ظهوره على يد التجار - مما يعد ثُلمة في الدين وبدعة في الأمصار وهو ما يجلبونه من الأواني المرقوم فيها اسم الرحمان، وصناديق النار (الوقيد) المرسوم فيها اسم الله تعالى أو اسم نبيه صلى الله عليه وسلم، مع ما تعلمونه في ذلك من أن ما يفرغ من تلك الصناديق ومكسور الأواني مرجعه الطّرح في القاذورات والأزبال (...) وعليه، فنأمركم بالاسترعاء على التجار الجالسين لذلك، وتنبيههم على الضرر المترتب على ما هنالك".

أما مأساة الوقيد، في أيامنا هذه، تكمن في كون صناعة أعواد الثقاب تأثرت بالأحداث الإرهابية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء، فقد هددت الشركة المنتجة لأعواد الثقاب، قبل أسابيع، بوقف صنعها، بسبب تشديد سلطات الجمارك والأمن إجراءات الرقابة على المواد الأولية، الخاصة بتصنيع أعواد الثقاب، المستوردة من الخارج، خاصة الكبريت، على اعتبار أنها من بين المواد التي يمكن أن تستخدم في صناعة المتفجرات. وعليه يستحسن العودة إلى استعمال الاسم القديم لعلب أعواد الثقاب: صندوق النار.

وأختم بقصيدة "مأساة أعواد الثقاب" للشاعر العراقي أحمد مطر:

أوطانـي عُلبـةُ كبريتٍ 

والعُلبَـةُ مُحكَمَـةُ الغلْـقْ

وأنـا في داخِلها

عُـودٌ محكـومٌ بالخَنْـقْ .

فإذا ما فتَحتْها الأيـدي 

فلِكـي تُحـرِقَ جِلـدي 

فالعُلبَـةُ لا تُفتـحُ دَومـاً 

إلاّ للغربِ أو الشّرقْ

إمـَّا للحَـرقِ، أو الحَـرقْ 

يا فاتِـحَ عُلبتِنا الآتـي

حاوِلْ أنْ تأتـي بالفَـرقْ

الفتـحُ الرّاهِـنُ لا يُجـدي 

الفتـحُ الرّاهِـنُ مرسـومٌ ضِـدّي

ما دامَ لِحَـرقٍ أو حَـرقْ .

إسحَـقْ عُلبَتنا، وانثُرنـا 

لا تأبَـهْ لوْ ماتَ قليلٌ منّـا

عنـدَ السّحـقْ .

يكفي أنْ يحيا أغلَبُنا حُـرّاً 

في أرضٍ بالِغـةِ الرِفـقْ . 

الأسـوارُ عليها عُشْـبٌ

.. والأبوابُ هَـواءٌ طَلـقْ!



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170