1

من المصطلحات التي أصبحت متداولة بشكل كبير: "الشبكة العنكبوتية"، ويقصد به الانترنت. وليس من المستبعد أن يعرف معظمنا الكثير عن الانترنت، ويجهل الكثير عن العنكبوت وشبكته، التي شبهت بها الانترنت. 

فالعنكبوت يتبع لفصيلة العناكب، وهى فرع من المفصليات، ولها ثمانية أرجل وثماني عيون، وليست لها أجنحة، وهى بذلك ليست بحشرات. فصيلة العناكب منتشرة ومتنوعة، تعيش في جميع المناخات، وعلى مستوى كل الإرتفاعات، وهناك أزيد من 30 ألف نوع من العناكب في العالم. يوجد منها حوالي 500 نوع بالمغرب، يعرف منها حوالي 380 نوع ينتمي إلى 30 أصل.

العنكبوت أصلها في اللغة العربية العَنْكَبَاةُ، وجمعها عناكب، والذكر عَنكب. ومن أسماء العنكبوت كذلك عكاشة، وكنيته أبو خيثمة وأبو قشعم، والأنثى أم قشعم. وتقول العرب: "أغزل وأصنع من عنكبوت". وقال الشاعر:

وشَاهِدْ ذُبابة ساقها الحِرْصُ طُعْمَة   -   إلى عنكبوت تَلزِمُ البيت قانعة

 وفي العامية المغربية، يطلق عليها "الرتيلة"، وأصلها الرثيلاء، وهي نوع من أنواع العناكب. وفي الأمازيغية: "تَايْسِيسُوتْ"، و"أَوْلْلِّي"، و"تيستيت" أو "تاستيت" وهي المصفاة، التي تشبه أيضا الشبكة.

وجاء في الذكر الحكيم: " كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ". وقيل: نسجت العنكبوت مرتين: مرة على داوود عليه السلام، ومرة على النبي محمد (ص)، حيث كانت أحد أسباب نجاته، وصاحبه أبي بكر الصديق، من الكفار الذين لاحقوه عند هجرته من مكة إلى المدينة.

وفي الأسطورة الإغريقية أن عذراء جميلة تسمى"أراكن" كانت تجيد فن التطريز والحياكة تحدّت الإله "أثينا"، إله الحكمة والفنون والصنائع النسائية، فقام يتمزيق كل ما قامت العذراء بحياكته، فحزنت، وشنقت نفسها بأحد خيوط حياكتها، فندم أثينا على فعلته، فحول جثتها إلى عنكبوت.

معظم أنواع العنكبوت لا تكون ضارة أو تسبب أذى للإنسان، باستثناء بعض الأنواع المعدودة على الأصابع، ومن أشهرها الأرملة السوداء. فالعناكب، وإن كانت مخلوقات غير محبوبة لدى الإنسان، إلا أنها صديقة له، بل وذهب البعض إلى حد القول بأنه لولاها لما كان للإنسان مستقر على الأرض؛ ذلك لأنها تقضي معظم وقتها في اصطياد الحشرات والفتك بها. فلولاها لتكاثرت الحشرات وأتت على الأخضر واليابس.

صاح زبون في وجه نادل المطعم محتجا: انظر هناك عنكبوت غارقة في الحساء، فرد عليه النادل: طبيعي، سيدي، فالعناكب لا تحسن السباحة.


2

من غريب التجارب حول العنكبوت ما أقدم عليه الصينيون حين اعتمدوا على العناكب لحماية محاصيلهم من الأرز والقطن، فقد وضعوا لها مخابئ تأويها في فصل الشتاء، لتكون كثيرة في الربيع وقادرة على القضاء على كل الحشرات المضرة بمزروعاتهم، دون اللجوء إلى المبيدات الكيماوية. ودلت تجارب أخرى في أنحاء مختلفة من العالم على أنها تخلص المزارعين من الحشرات المضرة حتى قبل أن يفطنوا لوجودها. فالعنكبوت مبيد طبيعي للحشرات.

الخيط الحريري، الذي نراه تحيك به العنكبوت بتفنن شبكتها، هو في الحقيقة مجموعة خيوط ملتفة على بعضها، فسمك شعرة الإنسان يزيد عن سمك خيط العنكبوت ب400 مرة. إلا أن هذه الخيوط، اللينة والقابلة للتمطيط بعشرين في المائة من حجمها دون أن تتمزق، ورغم شدة رقتها وشفافيتها، تعد أصلب الألياف الطبيعية على الإطلاق، ولها قوة تحمل للضغط أقوى حتى من قوة تحمل الفولاذ، ولذلك يطلق عليها الفولاذ البيولوجي. وأنثى العنكبوت هي التي تقوم بنسج هذا الخيط الحريري، بواسطة ثلاثة مغازل أسفل البطن، متصلة بغدد صغيرة، تفرز المادة التي تتشكل منها الخيوط.

وتقوم أنثى العنكبوت بهندسة الشبكة ونسجها، بمهارة عالية، بخيوط منحنية أو مستقيمة، بترتيب متناسق المسافات فيما بينها، على شكل دائري أو ثلاثي رائع التصميم. وشبكة العنكبوت ليست مصيدة فحسب، بل هي كذلك شبكة اتصال واستشعار (تشعر من خلالها بوقوع الفريسة، يتصل عن طريقها الذكر،  تتمدّد عندما تقع عليها الأجسام الثقيلة حتى لا تتكسر.

وعندما تقع الفريسة، قد تستعمل خيوط الشبكة لتقييدها أو لسحبها، أو لتغليفها لحفظها طازجة. وتحقن العنكبوت فريستها سما يشلها عن الحركة، ثم تفرغ فيها لعابها الذي يذيب الأعضاء الداخلية للفريسة، فتمتصها سائلا، فتتخلص من هيكل الفريسة الأجوف. فعملية الهضم عندها تتم خارج بطنها، ولذلك تحتفظ بفرائسها حية، لكي تبقى طازجة

ولا يتسع المجال، هنا، للحديث عن جل غرائب هذا المخلوق العجيب، وإنما القصد إثارة فضول القارئ الكريم، ليتأمل أكثر في العنكبوت وشبكته، ويتعلم منها حكمة الصبر والأناة، وذلك، طبعا، خارج البيت في البساتين والحدائق، لأن مكانس النساء لن تتركها وشأنها، كما قال بذلك المثل الفرنسي: لا تجتمع المرأة والعنكبوت في بيت واحد.

أمسك باحث بعنكبوت وراح يصرخ فيها بالسب، فاندفعت نحوه، ودوّن في سجله "العنكبوت عدوانية"، بتر إحدى أرجلها وعاود شتمها، فهاجمته من جديد، فدوّن ملاحظة أخرى "العنكبوت تزداد عدوانية إذا بترت رجلها"، وبتر رجلا ثانية وثالثة..إلى أن أصبحت بدون أرجل، فصرخ فيها، ولم تتحرك، فدوّن ملاحظة أخيرة: "العنكبوت بدون أرجل لا تسمع".



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170