الموز فاكهة الحكماء 1

أطلقوا عليه "فاكهة الحكماء" أو "طعام الفلاسفة" لأن حكماء الهند كانوا يتغذون به، ويستظلون بأوراقه أثناء اعتكافهم. وسماه العرب "قاتل أبيه" لأن شجرة الموز، بعد أن ينضج ثمرها، يجب أن تقلع لتكبر إحدى الشتلات الصغيرة التي حولها. وقامت بسببه ثورات، ونشأت من أجله أنظمة (ديمقراطيات الموز- جمهوريات الموز)، وشيدت به مدن وموانئ وشقت له الطرق، ومدت له آلاف الكيلومترات من السكك الحديدية في أدغال أمريكا اللاتينية، وقامت من أجله أكبر حرب تجارية (حرب الموز) بين أعظم أقطاب العالم. وهو المحصول الغذائي الرابع في العالم. ووصفه الطب قديما وحديثا لعلاج العديد من الأمراض.  

وقد جاء ذكره في بعض الوثائق البوذية التي تعود للقرن السادس قبل الميلاد. وكان ألكسندر الأكبر هو الذي وضع الموز على الخارطة سنة 327 قبل الميلاد، حين قام بغزو الهند، ويقال أنه كان يأكل الموز ويستمتع به. وعرفت الصين زراعته في القرن الثاني الميلادي. وفي منتصف القرن السابع الميلادي، أدخل المسلمون الفاتحون الموز إلى فلسطين. ونقله التجار العرب إلى كل بلدان إفريقيا. وربما كان مصطلح "بنان"، الذي يطلق عليه في العديد من اللغات، من أصل عربي، فالبنان في العربية هي الأصابع. وفي مستهل القرن السادس عشر نقله البرتغاليون إلى جزر الكناري وبحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية..

وجاء في الذكر الحكيم: "وطلح منضود"، ويرى أكثر المفسرين أنه شجر الموز، منضود أي المتراكم بعضه فوق بعض. وصفه الفيلسوف ابن سينا في كتابه القانون بأنه مغذ ملين والإكثار منه يسبب السدد، ويزيد في الصفراء، والبلغم، ونافع لحرقة الحلق والصدر ثقيل على المعدة، يوافق الكلي ويدر البول. وجاء في "المستطرف" للأبشهي: "دخل ابن قزعة يوما على عز الدولة وبين يديه طبق فيه موز، فتأخر عن استدعائه فقال: ما بال مولانا ليس يدعوني إلى الفوز بأكل الموز، فقال: صفه حتى أطعمك منه، فقال: ما الذي أصف من حسن لونه فيه سبائك ذهبية كأنها حشيت زبدا وعسلا أطيب الثمر كأنه مخ الشحم سهل المقشر لين المكسر عذب المطعم بين الطعوم سلس في الحلقوم، ثم مد يده وأكل".

وجاء في كتاب "أنساب الأشراف" للبلاذري أن خالد بن صفوان كان يقول: "ثلاث أضن بدرهمي فيهن: صداق النساء، وصلة الرحم، وشراء الموز". ومن الأمثال العربية: أكله أكل الموز: إذا نهكه ظلما. وقال فيه ابن الرومي:

إنما الموز حين  يمكن منه

                   كاسمه مبدلا من الميم  فاء

وكذا فقده العزيز علينا

                                                                          كاسمه مبدلا من الزاي تاء

وكان أحدهم يحب الموز حبا جما، فأكل منه ذات مرة الكثير، وأصيب بالتخمة، ولم يعد يقوى على التنفس، فنصحه رفيقه بإدخال إصبعه في فمه للتقيؤ، فرد عليه أنه لو كان في حلقه متسع لإصبعه لأضاف موزة أخرى.

الموز فاكهة الحكماء2

ما أن تسأل بائع الفواكه عن ثمن الموز، حتى يبادرك "خذ! راه موسكا"، وموسكا (Musaceae) عائلة موزية، فهناك حوالي ألف صنف من الموز، موزعة على خمسين عائلة. والموز فاكهة استوائية ذات قيمة غذائية عالية، غني بفيتامينات أ.ب.ج، ويحتوي على كثير من الأملاح المعدنية كالحديد والمنغنيز والصوديوم والفوسفور والزنك، بالإضافة إلى الماء والنشا والسكر. وهو غذاء أساسي بعدد من البلدان الآسيوية والأفريقية. ويعد الموز المحصول الغذائي الرابع في العالم بعد الأرز والقمح والدرة. والمعروف أن الهند هي أكبر وأول بلد منتج للموز في العالم بمعدل إنتاج يصل إلى 16,8 مليون طن سنوياً أو ما يزيد على 20 في المائة من إجمالي الإنتاج في العالم والبالغ 72,6 مليون طن، ويعد الموز غذاءً أساسياً لأربعمائة مليون إنسان في البلدان النامية كما يعد الموز محصولاً رئيسياً ومصدراً للتشغيل والدخل لقطاع كبير من السكان في بلدان أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبى. وتعد الإكوادور أكبر مصدر للموز في العالم. وتمثل صادرات الموز العمود الفقري لاقتصاديات بعض الدول مثل الهندوراس وغواتيمالا وكولومبيا والإكوادور

في الأسبوع الماضي، انطلق موسم الموز، على هامش مهرجان جماعة أورير بجهة سوس ماسة، وهي المنطقة التي كانت تشتهر ببساتين بالموز القصير، الذي زرع فيها في الأربعينات من القرن الماضي، وعرف بطيبه ولذته. لكن الطلب المتزايد على فاكهة الحكماء، جعلت زراعات حديثة له تنتشر بالمنطقة، ومناطق أخرى من المملكة، وخاصة في البيوت البلاستيكية، والتي بلغت مساحتها سنة 2004 حوالي خمسة آلاف هكتار، ولم تكن تتجاوز ست هكتارات سنة 1983. وتزايدت كمية إنتاجه، حيث بلغت حوالي 40 طنا في الهكتار. ولم يعد الموز مادة بذخ وترف، بل أصبح فاكهة استهلاك عادية. وقامت حرب موز أهلية بين المنتجين والمستوردين، بسبب المنافسة، مما أدى إلى منع استيراد الموز سنة 1978. ومنذ سنة 2004، لم يعد يستورد من الموز سوى كمية لا تتجاوز خمسة آلاف طن.

ولا يمكن ذكر الموز دون الإشارة إلى قشره، الذي له الكثير من الفوائد، حتى قيل أن لكل شيء نهاية إلا الموز له نهايتين. ومن بين هذه الفوائد أنه يستعمل لتنظيف أواني الفضة والجلد، ولتطهير بعض أوراق النباتات، وكذلك للقضاء على الطفيليات النباتية. ومعروف أن قشر الموز على الأرض ينزلق بالشخص الذي يمشي عليه، فيتعثر ويسقط، حتى أصبحت قشرة الموز كناية عن الدسيسة والإيقاع بالغير، ولذلك يقال بأن طريق السياسيين مفروشة بقشور الموز.   

كان أحد الأغبياء يمر من سوق للفواكه، يوميا، وكان لا بد أن تزحلقه إحدى قشور الموز في ذالك السوق. وفي يوم من الأيام، مر من هناك وهو يحمل جهاز تلفاز، فإذا به يرى بعض القشور أمامه. فوضع جهاز التلفاز أرضا، وذهب ليتزحلق أولا ثم رجع ليحمل الجهاز وأنصرف.

وسئل أحد أهالي أدغال إفريقيا السوداء، عندما شاهد لأول مرة في حياته رجلا أبيضا، عما أوحته له رؤية هذا المخلوق المختلف، فقال: موزة بدون قشر



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170