الفاء نقطة من تحت

الخط يعطي للغة بعدها البصري، فهو الذي يمنحها الحياة المرئية، ويُحوّل فصاحتها الصوتية وبلاغتها وحسن تعبيرها إلى حروف وتشكيل وحركات. فمنذ ابتداع الكتابة، قبل أزيد من خمسة آلاف سنة في بلاد الرافدين، والإنسان يحاول أن يُكسب اللغة شكلا يخلدها من بعده، سكبها في قوالب خطية، واجتهد في إبداع هندستها ورسمها، فأنتج فن الخط.  

وكان تعلم هذا الفن جزء لا يتجزأ من تعلم القراءة والكتابة، فقد كان الوسيلة الوحيدة للكتابة والنسخ، الذي امتهنه المهرة من الخطاطين، قبل ظهور الطباعة. ومع ظهور هذه الأخيرة، في القرن الخامس عشر الميلادي، انحسرت مهنة الخطاطين وحلّت مكانها الآلة التي استطاعت أن تواكب كثرة المؤلفات. ومع ذلك بقي للخطاطين دور رئيسي في الصحف والمطابع ودور النشر إلى بداية التسعينات من القرن الماضي، حين حلّ الكمبيوتر محل الخطاط في هذا المجال. فقد كان الخطاط يضيف لمسات إبداعية على إخراج الصحف، وكان عنصرا رئيسيا في المنشآت الإعلامية بما فيها التلفزيون.

وتبقى للخط مجالاته الفنية الرحبة في انتظار فرصة مواتية للانتعاش. وقد أُحدثت جائزة وطنية سنوية، تشرف عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في السنة الماضية تحت اسم "جائزة محمد السادس لفن الخط العربي" لمكافأة أجود الخطاطين المتفوقين في رسم الخط المغربي وفنونه، اعترافا بمجهوداتهم في الحفاظ عليه والتعريف به ونشره، وتشجيعا لهم على تجديده وتطويره.

وتحتل الخطوط المغربية بخصوصيتها وجاذبيتها مكانة متميزة في فن الخط العربي، وهي نتيجة تطور محلي تميز بتفاعل إيجابي، مع التيارات الفنية للحضارة الإسلامية سواء بالمشرق أو بالأندلس. وتنقسم الخطوط المغربية إلى خمسة أنواع هي: الكوفي والثلث المغربي والمبسوط والمجوهر والزمامي أو المسند. وداخل كل نوع تتقاطع أساليب مختلفة، تذكر بمناطق تطويرها كالخط الفاسي والجبلي  والدرعي والصحراوي والسوسي أو تنسب لمجوديها من كبار الخطاطين ومهرة النساخ، وهناك الخط المدمج الذي يجمع بين ملامح خطين أو أكثر.

وما زال كل الذين درسوا في "المسيد" يذكرون "الليف ما ينقط، الباء نقطة من تحت،... الفاء نقطة من تحت ..."، فالمغاربة ينقطون الفاء بواحدة من أسفل، والقاف بواحدة من أعلى، كما تبرز ذلك علامة التشوير "قف".

طُلب من مرشح تقدم لعرض عمل أن يكتب طلبا خطيا، وكان بيده كسر وضع لها جبيرة، فطلب من مرشح آخر، كان إلى جانبه، أن يكتبه له، فوافق وأخذ يملي عليه، وعندما انتهى، سأله الكاتب: هل تريد أن تضيف شيئا آخر؟ فقال له: أضف ملاحظة "معذرة على الخط السيئ" ! 

توصل أحدهم برسالة من صديق له، مكتوبة بخط لم يستطع فك رموزه، فصديقه يعمل طبيبا، وخطر له أن يطلب من الصيدلي أن يقرأها له، فهو معتاد على خط الأطباء. وبالفعل دخل عند الصيدلي المجاور لبيته، وما أن سلم الرسالة لمساعد الصيدلي حتى انطلق بها هذا الأخير إلى داخل الصيدلية، دون أن يترك له فرصة توضيح ما يريده منه. وبعد مدة غير قصيرة، عاد مساعد الصيدلي، وأعاد لصاحبنا رسالته، وقال له: كل هذه الأدوية غير متوفرة !



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170