1

يبدو الجمل من مظهره، وكأنه خلق غير سوي، بشفته المتدلية، وسنمه المحدب، وطول عنقه، ومشيته المتمايلة؛ حتى زعموا أن الإبل خلقت من أعنان الشياطين. لكن الدراسات العلمية تجمع على أنه مخلوق أبدع بدقة متناهية، حق فيها التأمل. وقد أخذ عن الإنسان صفات قبيحة منها: الكِبْر، والحقد، والغيرة. فالناقة يشتد كِبْرها إذا لقحت، وتزم بأنفها وتنفرد عن جماعتها، والجمل الفحل يوصف بالكِبْر إذا طافت به نوق الهجمة، ومر نحو ماء أو كلأ فتبعته. والجمل يغار، وفي حالة هيجه لا يدع جملا ولا إنسانا يدنو من هجمته (جماعة الإبل).

ويرجع تاريخ الجمل إلى حوالي خمسة آلاف قرن خلت، حيث يعتقد أن الجمال هاجرت من شمال أمريكا، وانتشرت في المنطقة الجافة من نصف الكرة الشمالي، وانفصل الجمل ذو السنم الواحد عن بقية الجمال، ليعبر نحو الجزيرة العربية، فينتشر بها ويتأقلم مع البيئة الصحراوية.

وسمي الجمل سفينة الصحراء بسبب طريقة سيره، لأنه ينقل أطرافه اليمنى معا، ثم أطرافه اليسرى معا، ولذلك يتمايل في سيره بالصحراء كتمايل السفينة في البحر. وللناقة في اللغة العربية ما يربو على مائتي اسم، لكل اسم دلالة على حالة. وكان العرب يضعونه بمنزلة الرجل والمرأة، ومن ذلك ما جاء في حديث عائشة حين سألتها امرأة: أأوخذ جملي؟ وتريد زوجها. وجاء في التنزيل الحكيم: "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت". ويرى النسفي، في تفسيره، أن الله خص هذه الأربعة باعتبار أن هذا الخطاب للعرب، وحث لهم على الاستدلال، والمرء إنما يستدل بما تكثر مشاهدته له. والعرب تكون في البوادي، ونظرهم فيها إلى السماء والأرض والجبال والإبل. فهذه الأخيرة كانت أعز أموالهم، وهم لها أكثر استعمالا من سائر الحيوانات، ولأنها تجمع جميع المآرب المطلوبة من الحيوان، ولأن خلقها أعجب من غيرها. وقالت أم هاشم السلولية: "ما ذكر الناس مذكورا خيرا من الإبل أحناه على أحد بخير، إن حملت أثقلت، وإن مشت أبعدت، وإن نحرت أشبعت، وإن حلبت أروت".

قيل بأن الفرق بين الإنسان والجمل هو أن الجمل يستطيع أن يعمل عشرة أيام دون أن يشرب، في حين يشرب الإنسان عشرة أيام دون أن يعمل.


2

من الأمثال الشعبية المتداولة بكثرة "اللّي في راس الجمل في راس الجمّال"، يعني أن صاحب الجمل أدرى بما يدور بخلد جمله. لكن سائق سيارة بمدخل مدينة كلميم لم يكن يدري ما يدور بدهن جمل، كان يسير رفقة مجموعة من الجمال بمحاذاة الرصيف، فبعد سماع الجمل لدوي السيارة القادمة من الخلف، جنح لوسط الطريق، بطريقة مفاجئة، ما أدى لارتطامه بالسيارة، فتداعى سقف السيارة ليهوي بالجمل على رأس السائق. الحادث وقع يوم الثلاثاء الماضي (خلال أسبوع الجمل بكلميم)، السائق نقل إلى المستشفى، في حالة غيبوبة، إثر إصابته صيب بنزيف حاد في الدماغ، والجمل لقي مصرعه في حينه.  وإذا كان يقال في المثل: أهدى من جمل، ففي بيئته بالصحراء، أما على الطرق بين السيارات، فيمكن القول "أخرق من جمل". وقد وصفوا الناقة بأنها رُواع شديدة التفزع (الفزع)، ويرى البعض أن ذلك إنما من فرط نشاطها ومرحها.

ومن الأمثال الأمازيغية ما معناه "رأس الجمل تأكُلُ ولا تُؤْكَلْ". شفته العليا مشقوقة، وشفته السفلى متدلية. ويقول المثل الأندلسي "اتبع شفة الجمل حتى لا تقع. قيل للجمل زمِّر، قال: لا شفف ملمومة، ولا أيادي مفرودة. ولكن بهذه الشفف يأكل الجمل أقوى أنواع الشوك بسهولة ويسر، دون أن يخرج لسانه، حتى يحافظ على رطوبته، رغم أن المثل الشعبي المغربي يقول: "قالوا للجمل: باش كاتاكل الشوك أعمي الجمل؟ قال ليهم: باللسان الرطب".وإذا هاج الجمل أخرج شقشقته وعادل بها أحد شقي حنكه، فتكون كالدلو. ويحجم الجمل، أي يوضع على فمه الحجام لكي لا يعض، وصوت الجمل المحجوم يكون أقوى، وهو يهدر.

ورموش عينيه طويلة وكثيفة تحمي العين من الغبار. وكذلك منخره يتحرك بشكل إيرادي، فينسد هو وأذنيه بإحكام عندما تهب العواصف. رقبة الجمل معوجة وطويلة. وقالوا للجمل ما لرقبتك معوجة؟ قال: فأي شيء في مقوم حتى تكون رقبتي مقومة. وكان ديان بن مرة أحكم أهل زمانه، ومع ذلك تمنى أن تكون له رقبة بطول رقبة الجمل، حتى إذا أراد أن يتكلم، كان بإمكانه أن يفكر قليلا قبل أن يصل كلامه إلى لسانه، حتى إذا وجده غير مناسب أعاده إلى بطنه.

ومن الأمثال الأمازيغية كذلك: "إميك سيميك أسيكشّم أورعم تاكدورت"، أي قليلا فقليلا يدخل الجمل كاملا قدر الطهي الصغير. ومن المستحيلات التي ورد ذكرها في القرآن: "حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ". وعلى منواله قول الشاعر:

زعموا  أن   بمصر   جملا  -  يدخل الكوة قلنا نحن لا

نحن لا نعرف ما مصركم  -   هذه الكوة هاتوا الجمل



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170