:
1

القطط أقرب الحيوانات إلى الإنسان، يكاد لا يخلو مسكنه أو محيطه منها. تشبه الإنسان في أمور منها: أنها تعطس وتتثاءب وتتمطى وتتناول الشيء بأيديها، وتغسل وجوهها وأعينها بلعابها. وقد أكدت بحوث جينية، حديثة، أن جميع القطط بكل فصائلها تعود إلى جد واحد، عاش في منطقة شمال إفريقيا، قبل مائة ألف عام. وللقطط في العربية أسماء كثيرة منها: السِّنَّوْر (ج السنانير)،  الهِرّ (ج الهررة)، القط (ج قطط)، الضَّيْوَن (ج ضياون). وكنّت العرب القط ب: أبو خداش، أبو غزوان، أبو الهيثم، أبو شماخ، وله مسميات أخرى كثيرة. وقيل أن أعرابيا صاد سنورا فلم يعرفه، فتلقاه رجل فقال: ما هذا السنور؟ ولقي آخر فقال: ما هذا الهر؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا القط؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الضيون؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الخيدع؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الخيطل؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الدم؟ فقال الأعرابي: أحمله وأبيعه، لعل الله تعالى يجعل لي فيه مالا كثيرا، فلما أتى به إلى السوق، قيل له: بكم هذا؟ فقال بمائة. فقيل له: إنه يساوي نصف درهم. فرمى به وقال: لعنة الله، ما أكثر أسماءه وأقل ثمنه!.

صوتها هو المواء، من ماء يموء. منها الأهلي والوحشي، وهذا الأخير حجمه أكبر. ألوانها كثيرة: من السود والنمر والبلق والخلنجية. والمنمر، أو الأنمر، هو الذي يقال له البقالي، وذلك لكثرة اتخاذ البقالين لها، من بين باقي السنانير، لأنها أصيد للفأر. وسبب تقربه للإنسان هو قدرته على إفناء الفأر وقتل الجرذان. وعلاقة القط بالفأر يضرب بها المثل، ومن الأمثال الشعبية المغربية في ذلك: "بحال القط مع الفار"، "إيلا غاب المش كايشطح الفار"، "الفار المقلق من سعد القط"، "اللهم دصارة القط ولا دصارة الفار".

ويحكى أنه كان هر أفنى الجرذان وشردها، فاجتمع ما بقي منها، فقالت: هل من حيلة نحتال بها لهذا الهر، لعلنا ننجو منه؟ فاجتمع رأيها على أن تعلق في رقبته جلجلا (جرس)، حتى إذا تحرك لها سمعن صوت الجلجل فأخذن حذرهن. فجئن بالجلجل فقال بعضهن أينا يعلق الآن فقال الآخر بقي أشده. ويقول المغاربة: "تمَّا ابقات".

:
2

قد نتعجب من القط وهو يتبختر في مشيته، ويتثاقل في حركاته، ويطيل في استرخائه ونومه، ونستغرب لاعتزازه الزائد بذاته ونفسه، وتفضيله للرطب الناعم من الأفرشة، والعالي منها والوثير. لكن، قد يبطل العجب، ويزول الاستغراب، إن وضعنا في الحسبان أن القط كان مؤلها في الحضارة الفرعونية، وكان المصريون القدامى يدفنونه في احتفال مهيب، ويدفنون معه فئرانا محنطة، ليأكلها في العالم الآخر. فقد كان القط مفرعنا.  غير أن هذا الوضع لم يدم للقط، ففي القرون الوسطى كان يُطارد، ويُعذب باعتباره يجسد الشيطان. ولم يُرد له الاعتبار إلا في القرن الثامن عشر، ومع الثورة الصناعية عاد لعمله بمطاردة القوارض في المدن، حتى دخل البيوت من أبوابها، وعاد إليه مجده، واستعاد الفرعنة بشكل حديث. فبالإضافة إلى الأطعمة والأواني الخاصة، والطبيب البيطري والحلاق الخاص، أصبحت للقطط دور نقاهة وفنادق خاصة تُنزّل فيها عند سفر أصحابها. كما أصبحت تقام مباريات لأجمل القطط وأجمل مواء.  

قال فيكتور هيغو، خلق الله القط ليجد الإنسان نمرا يداعبه في بيته. والعرب والمسلمون فضلوا القط على الكلب لأنه سبع، واعتبروا أنه مثل شبل من أشبال الأسد، يُشبه بها من حيث الوثوب والتخلّع في المشي. ثاقب البصر بالليل، يجمع بين العض بالناب، والخمش بالمخالب. ومن أساطيرهم أن أهل سفينة نوح كانوا تأدوا بالفأر، فعطس الأسد عطسة فرمى من منخريه بزوج سنانير، فلذلك السنور أشبه شيء بالأسد.

ومن الحكايات الشعبية أن أسدا صادف قطا، رافق صاحبه الحطاب إلى الغابة. فتأمله جيدا ورأى فيه صورة مصغرة له. فسأله عن سبب هزاله وضعفه. فقال له بأن الإنسان هو من فعل به ذلك. فقال الأسد: دلني عليه لأنتقم لك يا ابن العم ! فدله عليه القط بعد أن حذره من مكره. فوجد الأسد الحطاب، وهو يشق بفأسه جذع شجرة ثابتة في الأرض، وقال له سأفترسك انتقاما مما فعلته بقريبي. فقال الرجل: ماذا ستفترس في؟ أنا عجوز ليس في غير جلد وعظم، ساعدني لأسرع لأخلص فأسي من هذا الجذع، وسآخذك إلى بيتي، فلي من الأبناء سبعة من لحم ودم. فطمع الأسد وقال له كيف أساعدك؟ قال: ضع رجلك مكان الفأس حتى أخلصها. فأمسك الرجل بيديه طرفي الجدع وفرقهما بقوة حتى اتسع الشق بينهم، فقال له ضع رجلك، فوضعها الأسد فأرخى الرجل طرفي الجدع اللذين ضغطا على رجل الأسد، على شكل مصيدة، وتركه يتألم، بعد أن جمع فأسه وحطبه، وانصرف. ومر القط بالأسد على هذا الوضع، وقال له: ألم أحذرك منه، فلا تلومنني بعد الآن!.

:
3

القط يمكن أن يكون صديقا، ولا يمكن أن يكون خادما مطيعا. الكلاب لها أسياد، والقطط لها خدام. والقط ذكي وواع بذلك. إذا ألف منزلا منع غيره من القطط الدخول إليه. وهو كالكلب إما أن تطرده قبل أن تأكل، وإما أن تشغله بشيء يأكله، ولو بعظم. وإذا أخذ شيئا مما يخزنه أصحاب المنزل عنه هرب، علما منه بما يناله منهم من الضرب. وإذا طردوه تملقهم وتمسح بهم، علما منه بأنه يخلصه التملق ويحصل له العفو والإحسان.

لكن القط حيوان متراخ كسول، رغم رشاقة بدنه، وقوة بنيته. كثير التثاؤب، والاستلقاء، والتمدد. يقضي ثلثي وقته في النوم. وعندما يكون مستيقظا، يقضي معظم وقته في اللعب واللهو، ويحلو له أن يُداعَب ويُلاعَب، دون كلل أو ملل، كالطفل. حتى عندما تقع الفريسة في قبضته بيسر، يلاعبها (لعبة الموت) طويلا قبل أن يفترسها.

ويقضي القط وقتا غير يسير في الاستحمام. فهو يغسل، بعناية فائقة، جميع أطرافه، بواسطة لسانه. ويبلل يديه بريقه، ليغسل بهما الأماكن التي لا يصلها لسانه من جسده. ولسانه خشن ومرن، مشكل من حليمات صغيرة ملتوية الرؤوس، يغسل بها ويمسح ويمشط زغبه، ويمتص منه فيتامين "د". أما ريقه فيرطب به شعره، وينعش به فروه القليل التعرق.

عجز رئيس مصلحة، بإحدى الإدارات العمومية، عن القضاء على فئران استوطنت مكاتب مصلحته، وعاثت فيها فسادا. جرب جميع الوسائل وكل الحيل، فلم تفلح معها. فاقترح عليه "شاوش" (عون) المصلحة أن يأتي بقط من بيته، ويتركه مدة بالمكتب، عله يقضي على الفئران المفسدة. واستحسن الرئيس الفكرة. وبعد يومين فقط، على قدوم القط إلى المصلحة، انقطعت حركة الفئران، ولم يعد لها أثر. فسعد الرئيس بذلك، وأصر على "الشاوش" أن يترك له القط بصفة دائمة، وعوضه ماديا عنه. وبعد ستة أشهر عادت الفئران لعادتها القديمة، رغم التواجد الدائم للقط. فاستفسر الرئيس "الشاوش" عن سبب تقاعس القط عن القيام بمهمته، فقال الشاوش: ربما لأنه اعتقد أنه أصبح الآن موظفا رسميا، وأُدمج في أسلاك الوظيفة العمومية.



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170