1

حيوان جمع أحسن الصفات: القوة، والجمال، والرشاقة، والنبل والشهامة. وحتى مسمياته ذات دلالات سمو: خيل، حصان، فرس، جواد، و"العَوْدْ" عند المغاربة. قيل: سميت الخيل خيلاً لاختيالها في المشية، والحصان لأنه حصّن ماءه فلم يَنْزُ إلاّ على كريمة، والفرس لأنها تفترس الأرض بسرعة عدوها. وقيل: كان العرب يطلقون أسماء "الخيل" و"الجياد" على الخيل المستأنسة، أما كلمة "فرس" فيطلقونها على الجواد البري الذي لم يستأنس بعد.

الخيل أقسم بها الله في كتابه فقال: "والعاديات ضبحاً" (وهي خيل الغزو التي تعدو فتصيح، أي: تصوت بأجوافها). كما جاء في التنزيل الحكيم: "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة"، و"وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل" (رباط الخيل هنا: المدربة على السبق والكر والفر). وفي الحديث:"لا تقصوا نواصي الخيل، ولا معارفها، ولا أذابها، مذابها ومعارفها دفاؤها، ونواصيها معقود فيها الخير" (والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة)، و"يكره الشكال من الخيل" (الشكال أن يكون في اليد اليمنى بياض وفي الرجل اليسرى بياض أو بالعكس)، و"يُمْن الخيل في شُقرها" (جمع أشقر)، و"عليكم بكل كميت أغر محجل أو أشقر أغر محجل أو أدهم أغر محجل" (الكميت مصغرا: ما في لونه سواد وحمرة، والأغر ما في جبهته بياض، والمحجل: أبيض القوائم). ويروى دعاء على لسان الحصان: "اللهم خوّلتني من خوّلتني من بني آدم، وجعلتني له، فاجعلني أحب أهله وماله إليه".

ويحكى أن إسماعيل عليه السلام هو أول من ركب الخيل، وكانت قبل ذلك وحوشاً، فروضها وركبها. وسميت الخيل عِراباً لأنها عربية منسوبة إلى العرب. وقد فرقوا بين النّاس والخيل، فقالوا في النّاس: عرب وأعراب، وفي الخيل عِراب. كما يسمى ما ليس بعربي من الخيل برذونا.

بعد عزل الخديوي عباس، عرض الإنجليز عرش مصر على أمير اسمه كمال الدين، فرفض قائلا: ماذا أريد من الملك وعندي أجمل زوجة وأعظم جواد. وهناك مثل جورجي يقول: المحظوظ من يفقد زوجته والمنحوس من يفقد حصانه. وأورد سلام الراسي في مؤلفه "لكل مقام مقال" حكاية جرت أحداثها في لبنان سنة 1934، خلال فترة الانتداب الفرنسي، ومفادها أن المستشار الفرنسي باتشكوف كان يعارض بقوة ترشيح عبد اللطيف بك لمنصب شاغر بالبرلمان، وكانت المقاومة تؤيده، وخلال حملته الانتخابية، أنشد شاعر شعبي:

باتشكوف خبّر دولتك سلطاننا عبد اللطيف

باريـز مربط خيلنـا ورصاصنا فلّط جنيف

وكانت جنيف تحتضن مقر عصبة الأمم. وصارت "باريز مربط خيلنا" عبارة يتندر بها اللبنانيون في مجالسهم، ويقولون: "باريز مربط خيلنا، ونعجز عن ربط حمار في قرية المطلة". 


2

الغريب في الحصان أنه رغم كونه شديد الجفل وسهل الإخافة، فلم يماثله أي حيوان آخر في خوض المعارك الضارية، لصلابته وقوته، وسرعته، ومرونته، وقدرته الفائقة على المناورة، سواء في الغارات أو عند المبارزات أو في الكر والفر. كلما اشتد النزال إلا وعلا صهيل الخيل، وتطاير الشرر من حوافرها، وتصاعد الزبد من أشداقها. وكانت ناشرة الإسلام في الفتوحات، وانتشرت بها أصولها العربية عبر العالم. وأنشد الزبير بن العوام يوم فتح البهنسا (فتوح الشام للواقدي):

أتيناكم على خيل عتاق شبيه الريح يوم الاستباق

وقال كذلك:

أتتكم ليوث الحرب سادات قومها على كل مشكول من الخيل ضامر

والخيل المضمرة هي التي علفت حتى سمنت وقويت، ثم قلل علفها، ثم غشيت بالجلال حتى حميت وعرقت، وجف عرقها فخف لحمها وقويت على الجري. وقيل كان النبي يضمر الخيل. وكان العرب يمارسون السباق أو المسابقة، وعرفوها بالمغالبة في العدو والجري في مسافة معلومة، وقالوا تجوز على مال معلوم لمن يسبق.

ورغم ذلك يقال بأنه ليس هناك حصان سباق يستطيع أن ينطلق بأسرع مما تنطلق به المبالغ المالية المراهن بها عليه. فحتى جيمس وات بالغ في تقدير قوة الحصان، لأنه تبث أن قوته المتوسطة لا تمثل سوى ثلثي قوة الحصان البخاري. ثم إن الخيول الأصيلة أيضا ينتهي بها المطاف عند الجزار. ويرى البعض أن أكل لحم الفرس، انتشر في أوساط لاعبي رهان الخيل، لأنهم كلما خسروا انتقموا من الفرس بأكل لحمه.

بينما كان الزوج منهمكا في تتبع أطوار مباراة في كرة القدم على شاشة التلفزيون، اهتز فجأة من ألم ضربة بمقلاة وجهتها زوجته لصلعة رأسه. أمسك المسكين برأسه والتفت متسائلا أي ذنب ارتكب؟ فسألته من تكون كريمة هذه التي وجدت اسمها ورقم هاتفها على ورقة في جيبك؟ فقال لها، بعد تردد، متلعثما: إنها مجرد فرسة الرهان دونت اسمها مع الأرقام التي سألعبها غدا. بدت الزوجة شبه مقتنعة وانصرفت، فيما مسح الزوج على صلعته، وعاد لأطوار مباراته. وما هي إلا دقائق حتى طبنّت صلعته من جديد، من وقع ضربة مقلاة أخرى أشد، والتفت من متسائلا عن السبب هذه المرة، فقالت له زوجته: الفرسة كريمة تطلبك على الهاتف!.


3

يجسّد عالم الخيل مسألة العِرقية، ويمثل كل ما فيها من معاني التمييز، وعدم المساواة. فالفرق بين الخيول الأصيلة، والخيول الهجينة، كالفرق بين الأسياد والعبيد. فالأولى ذات عرق سامي، ويعتنى بها، بشكل يفوق التصور، من حيث الأكل والشرب والرعاية الصحية، والإسطبلات الخاصة، وتتمرّن، وتخرج للنزهة أو الصيد والسباقات. أما الخيول الهجينة، فتعتبر من الجياد الخدم، تجر العربات، وتحمل الأثقال، وتنال فقط ما يسدّ الرمق من العلف، أما صحتها، فكيفما خلف. والإيجابي في الأمر، أن سلالة الخيول العربية، على عكس الإنسان العربي، سلالة لها منزلة عالية، ومرغوبة على أغلب سلالات الخيول العالمية.

أما تعالي الخيل على باقي أجناس الدّواب، فحدث ولا حرج. فالفرسة، مثلا، وإن كانت أصيلة وأنجبت من حمار، فلن يكون وليدهما حصانا بل بغلا، وهو لا يقل احتقارا عن الحمار، إلا بقليل، ولكنه لن يرقى لمستوى الحصان. ويقول في ذلك المثل الشعبي: "قالوا للبغل: شكون ابّاك؟ قالهم: خالي العود". يقال بأن في محرك السيارة خيل عديدة، ويكون وراء مقودها حمار واحد.

ومن الأمثال الشعبية المغربية عن الخيل: "بقى فيك غير التحنحين بحال كيدار المعصرة" (الكيدار: أمازيغي معرب أصله أكيدار، وهو الحصان المترذل، البرذون)؛ و"عز الخيل مرابطها"؛ و"الخيل مربوطة والحمير كاتتبورض"؛ و"الراجل بدراعو، والعود بكراعو" (همة الرجل بذراعه، وهمة الجواد بقوائمه)؛ و"سرّج عودو قبل الوقت"؛ و"رماتو فاين رمات العودة شكالها"؛ و"أعلى ما في خيلك ركبو"؛ و"سبّق الشكيمة قبل العود"؛ و"سبعة ماتآمن شي بهم: الليالي إيلا صحات، والعكوزة إيلا صلات، والخيل إيلا ولاّت (يقصد السربة دالخيل عند التبوريدة)، والايام إيلا اعطات، والعافية إيلا طفات، والرعدة إيلا دوات، والحاجبة إيلا طلات".

اشترى شخص حصانا من صديق له، ملتزم دينيا. هذا الأخير درّب الحصان على الانطلاق بكلمة "بسم الله"، والتوقف بكلمة "الحمد لله"، لكن الحصان تعلمها بالمقلوب، فصار ينطلق بالحمدلة، ويتوقف بالبسملة، ولم تنفع معه كل المحاولات لتصحيح ذلك. وركب المشتري الحصان، وصاح فيه البائع: الحمد لله!. فانطلق كالسهم نحو مرتفع صخري، صعده بسرعة فائقة، تملك الهلع الفارس فصار يردد الحمدلة، لكن الحصان كان يرفع من وتيرة سرعته، فتذكر الرجل البسملة، وما أن نطق بها حتى توقف الحصان فجأة، وانتبه الفارس ليجد نفسه على حافة الهاوية، فلو كان الحصان زاد مترا واحدا لهلكا معا، فقد كانا قاب قوسين أو أدنى من السقوط من على المرتفع الصخري إلى البحر،  فتنفس الصعداء و...حمد الله !



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170