المسكة يا العلكة 1

يخوض المسؤولون في مكسيكو، هذه الأيام، حربا ضروسا على قطع العلك الملتصقة بأرصفة وأرضيات ساحات العاصمة المكسيكية، حيث يقدر متوسط العلك على الأرض ب70 قطعة في المتر المربع، وقد تصل إلى مئات القطع في بعض المناطق المكتضة. وتحتاج كل قطعة لاقتلاعها لمعالجة خاصة بالبخار والمواد الكيماوية. هذه الظاهرة ليست خاصة بمكسيكو، فجل الحواضر تعاني أرضياتها جرب العلك. وشوارع عاصمتنا لا تقل عنها وشما بالعلك، المبثوث في أديمها.  فما أسهل تخلص الفم من قطعة العلك بعد مضغها، وما أصعب التخلص منها بعد أن تلتصق على الأرض، وتدكها أحذية الراجلين.

العلك، كمادة صمغية أو كعادة مضغ، كان معروفا لدى العديد من الشعوب والحضارات. إلا أن الأمريكيين وحدهم استطاعوا بفكرهم التجاري والمادي ومجازفاتهم المالية في الإشهار، أولا "أمركته" بترسيخ مضغه كنمط من سلوك الشعب الأمريكي وكعادة تجري في عروقه مجرى الدم، وثانيا بنشره بين باقي شعوب العالم، وأصبح الناس في مختلف بقاع العالم يلوون ألسنتهم بالعلك كما تلوي البقر ألسنتها بالحشائش، فكانت بالفعل أولى مؤشرات فكر العولمة.

العلك قليل السكر، منشط للغدد اللعابية: يسيل اللعاب الذي يعتبر الغسول الطبيعي للفم.كما يرفع اللعاب معدل حموضة الفم، ويعادل الأحماض البكتيرية. وتحتوي بعض أنواع العلك على "زايلتول" يكافح صفائح البكتيريا ويحد من تزايدها، بل أنه يحافظ على صحة وجمال الفم.

العِلْكُ: ضرب من صمغ الشجر كاللبان يمضغ، والجمع عُلُوكٌ وأعْلاكٌ وبائعه علاْك. وشيء علك أي لزج. وعَلَكَ الشيء يَعْلِكُهُ ويعْلُكُهُ عَلْكاً: مضغه ولحلجه.قال أعرابي في العلك: "تعب الحنجرة وخيبة المعدة". وجاء في البيان والتبيين للجاحظ: دفعوا إلى أعرابية علكا لتمضغه فلم تفعل، فقيل لها في ذلك فقالت: ما فيه إلا تعب الأضراس، وخيبة الحنجرة. ومن طمع أشعب أنه مر برجل يمضغ علكا فتبعه أكثر من ميل حتى علم أنه علك.

وفي المغرب يعرف العلك ب"المسكة"، وهو اسم عربي كذلك، فالمصطكى وتسمى أيضا العلك الرومي هي نوع من أنواع الصموغ البيضاء، الناعمة، الطيبة الرائحة، ذات اللدونة، المائلة إلى المرارة، وربما سمي العلك مسكة لشبهه بالمسك، وقد أنّثه بعضهم على أنه جمع وواحدته مِسْكَة وربما، كما ذهبت طائفة إلى تشبيهه بالمسك، لأن رائحة عطر المسك تتمسك باليد، ولأن العلك يتمسك بالجلد واليد وكل شيء وربما، أيضا، كان مصدر كلمة مسكة هو "المصطكى" وهو العلك الرومي فليس بعربي.

وإلى جانب المضغ، كان المغاربة، ولا زالت قلة منهم، يستعملون المسكة لإضافة نكهة متميزة لأنواع من الطعام والشراب مثل الخبز والحلوى والقهوة وغيرها. ومن ذلك قول المثل المغربي الدارج :"حتى اكْلا واتْكّا عّاد قال خبزكم ما فيه مسكا". وتستعمل كلمة العلك في الدارجة المغربية في معنيين، الأول عندما يقال عن الشيء "مْعَلّكْ" أي لزج؛ والثاني عندما ينعث شخص بأنه "عَلْكَة" أي ثقيل. وتقول النساء بأن الرجل كالعلك أوله حلو، وبآخره مر يلصق. ومن النكت الشائعة عند إخواننا المشارقة: "واحد دلوع حلف ما ينام إلا إذا يخلص العلك اللي في فمه ".

بعد حفل موسيقي، سأل ناقد فني عازفا على آلة الناي: كيف تمكنت أن تجعل آلتك تعزف بهذا الصوت الفريد، الذي نال إعجاب الجمهور؟ فرد عليه: نسيت أن أرمي العلك من فمي، فعزفت به.

المسكة يا العلكة 2

واشتهر الأمريكيون، أكثر من غيرهم، بملازمة العلك لأفواههم، يلوون به أشداقهم بشكل دائم، فهم في ذلك مثل الإبل في شداقها. وكان ذلك سمة للجنود الأمريكيين تميزهم، خلال الحرب العالمية الثانية، عن باقي جنود الحلفاء في أوروبا وآسيا وإفريقيا. وقد أشار إلى هذه الظاهرة المرحوم محمد السلاوي، في أغنيته الشعبية حول دخول الجنود الأمريكيين إلى المغرب.

أما صاحب فكرة تصنيع العلك فهو الأمريكي طوماس آدامس، الذي استطاع سنة 1869 أن بصنع أول نوع منه بترطيب الصمغ بواسطة الماء الساخن، وأنتج منه كمية قليلة علي شكل حبات لم يتعدى عددها المائتين. وتكلفت إحدى الصيدليات ببيعها، فنفدت بسرعة لم تكن متوقعة. إثر ذلك، بدأ آدامس في تصنيع أطنان من العلك، على شكل أشرطة بها مقطعات تمكن الصيدلي من تقسيمها إلى أجزاء متساوية، كانت تباع بفلس واحد للوحدة. ولقي بيعها إقبالا كبيرا، وكثر باعاتها، وازداد عدد مصنعيها.

إلا أن هذا النوع الأول من العلك لم تكن له أية نكهة غير طعم الصمغ الأصلي، إلى أن أدخل عليه أحد الصيادلة، ويدعى جون كولغان، نكهة روح بعض الأعشاب. وفي سنة 1880، أضاف أحد المصنعين إلى العلك نكهة وطعم النعناع اللذين اشتهر بهما إلى يومنا هذا.

ورغم الإقبال الذي لقيته مبيعات العلك في هذه الفترة، إلا أن ترسيخ استهلاكه في المجتمع الأمريكي لم يتم إلا على يد ويليام وريغلي، الذي قرر سنة 1892 التخصص في العلك، فنزل بثقله التجاري الوازن، فملأ الشوارع والأزقة بلوحاته الإشهارية، وأعاد نشر الملايين من النسخ لكتب الأطفال المضافة إليها إعلانات علكه. وخلال الأزمة المالية لسنة 1907 قام، رغم ذلك، بتخصيص مليون دولار للإشهار لشوينغوم سبيرمنت المنعنع

لم يكن الأمريكيون أنفسهم يتوقعون أن تترسخ فيهم عادة مضغ العلك، فقد كانت أوساط عديدة من الأمريكيين تسخر من هذه العادة. لكن ويليام وريغليي استطاع أن يربيهم عليها بالتدريج والضغط الإعلاني. ففي سنة 1890 كتبت المجلة الأمريكية الشهيرة "هاربرس" تقول أن هذه العادة خاصة بالنساء، وأن العدد القليل من الرجال الذين يقلدونهن إنما يفعلون ذلك توددا لهن

لكن وريغليي ساهم، بقدر كبير، في جعل هذه العادة تخترق مختلف الأوساط والشرائح في المجتمع الأمريكي، وتنتشر بين الجنسين معا في مختلف الأعمار انتشار النار في الهشيم. ثم انتقلت بعد ذلك، عبرهم، إلى مختلف أرجاء العالم.

ومن مقولات الإعلانات التي كانت تروج للعلك، في تلك الفترة، في الأوساط الأمريكية: "العلك أفضل من قبلة"، "العلك ينشط ويمنح الحيوية"، "العلك يسهل ربط علاقات الأعمال"، "العلك يطرد الملل"، "العلك يمنح الشفاه نعومة فائقة"...

مسافر شاب ركب القطار، فجلس في مقعد مقابل لمقعد تجلس فيه امرأة عجوز. فلفت انتباهه كيف كانت تنظر إليه، وهو يلوك العلك في فمه، فظنها مشمئزة منه،  إلى أن اقتربت منه وقالت له: لا تتعب نفسك، فأنا صماء لا أسمع شيئا!



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170