القانع اللاهث 1

الكلب حيوان ألوف للإنسان، وفيّ وشديد الإخلاص له، يتخذه الإنسان لحراسة أقاطيع المواشي والمساكن، وللصيد، وللمرافقة والمؤانسة ولأغراض أخرى يكتشفها الإنسان، يوما بعد يوم، في قدرات ومؤهلات الكلب. ولمن يتساءل عن سبب إخلاص الكلب ووفائه للإنسان، أقول أني لم أجد أطرف مما نقله سلام الراسي عن أهالي لبنان في كتابه "لئلا تضيع" حيث يقول: "بعض الفلاحين والرعاة في لبنان ينسبون وفاء الكلب وشدة إخلاصه للإنسان إلى رابطة الخبز والملح، لأن الإنسان يطعم هرته مثلا لحما وحليبا وفرسه ثبنا وشعيرا ... أما الكلب فيقاسمه رغيفه، ولذلك توثقت مدى الدهر الطويل، روابط الخبز والملح، بين الكلب والإنسان".

والكلب، ويسميه المغاربة كذلك "القانع وبالأمازيغية "أيدي"، من فصيلة الكلبيات آكلات اللحوم. ويعرف العرب "الكلب" بأنه كل سبع عقور. وقد غلب الكلب على النوع النابح المعروف. وقد يكون الرد على تصنيف الكلب ضمن جنس السباع على لسان الكلب نفسه في حكايته مع القرد، ومفادها أن كلبا وقردا اجتازا بمقبرة سباع، فقال القرد للكلب: اصعد بنا نترحم على إخواننا هؤلاء، فقال الكلب: ومن أين بينكما معرفة؟ فقال القرد: سبحان الله ! هؤلاء كانوا مماليكنا، فقال الكلب: والله ما أعلم شيئا من هذا، ولكني كنت أود أن يكون أحدهم حاضرا وتقول هذا.

وقيل للكلب: لماذا عندما ترى السبع تنبح؟ قال: أفزعه، قيل: ولم تضرط؟ قال: من فزع

تصغير أمر الكلب واحتقاره، مسألة مشتركة بين مختلف الحضارات وجميع الشعوب، وإن تفاوتت درجاتها ومظاهرها، مع تميز الحياة الغربية المعاصرة بتكريم الكلب في ظل مبادئ الرفق بالحيوان.

وقد ذكر القرآن، بشكل تأكيدي، كلب أهل الكهف: "وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد"، "سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم". وشبه الله تعالى أحد الكفار بالكلب في حالة ساخرة: "كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث". والمسلمون تثيرهم أكثر في أمر الكلب مسألة النجاسة. وبلغ تقذر المسلمين من الكلب درجة النهي عن اتخاذه وإمساكه بل والأمر بقتله. وينسب إلى الحديث: "من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو كلب ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراطان"، كما ينسب إلى النبي (ص) أنه: "قضى في كلب للصيد بأربعين درهما، وفي كلب غنم بشاة، وفي كلب الزرع بفَرَق (مكيال) طعام، وفي كلب الدار بفرق من تراب، حق على القاتل أن يؤديه، وحق على صاحب الدار أن يقبضه".

وربما تعود أسباب كراهية المسلمين للكلب لنثن رائحته وكثرة تبوله، والمسلمون مطالبون بدوام تطهير أبدانهم وملابسهم وأماكن عبادتهم لأداء صلواتهم. قال الشاعر في نثن رائحة الكلب:

كأن ريحهم من خبث طعمتهم ... ريح الكلاب إذا ما بلها المطر

ولذلك يقال في المثل: أنجس ما يكون الكلب إذا اغتسل. وكذلك: جاهه جاه كلب ممطور في مقصورة الجامع. والكلاب كثيرة التبول، ويقال: أبول من كلب. كما يقال: الكلاب شُغّر، وشغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه من الأرض ليبول.

ويحكى أن كلبا دخل مسجدا خرابا فبال على المحراب، وفي المسجد قرد نائم، فقال للكلب: أما تستحي أن تبول في المحراب؟ فقال الكلب: ما أحسن ما صورك حتى تتعصب له

القانع اللاهث 2

قيل: إذا أطعمت كلبا جائعا فلن يعضك، وذلك هو الفرق بين الكلب والإنسان. ويقال: أجع كلبك يتبعك، ويقال كذلك: ربما أكل الكلب معلمه. ومن أمثال العرب كذلك: نعيم كلب في بؤس أهله، الكلاب تشبع خبزا، من جعل نفسه عظما أكلته الكلاب، أجوع من كلبة حومل، وهي امرأة كانت تجيع كلبة لها وهي تحرسها، فكانت تطردها بالنهار، وتقول: التمسي لنفسك لا ملتمس لك، فلما طال ذلك عليها أكلت ذنبها من الجوع.

وذكرها الكميت في البيت التالي واصفا رعاية بني أمية للأمة كرعاية حومل لكلبتها:

كما رضيت جوعا وسوء رعاية - لكلبتها في سالف الدهر حومل

ومن الأمثال الشعبية المغربية: "علة الكلب البرد والجوع"، "سحور الكلب العظام في الظلام". وفي كتاب "البصائر والذخائر" لأبي حيان التوحيدي: "قيل للكلب أنت تأكل عظاما وتخرا عظاما، فإيش ربحك؟ قال: أدولب".

وعدا كلب خلف غزال، فقال له الغزال: إنك لا تلحقني، قال لم؟ قال: لأني أعدو لنفسي، وأنت تعدو لصاحبك. والعامة في المغرب تقول: "إيلا شفتي الذيب عرقان اعرف بلي السلوقي من موراه".

ولعل كلاب الحواضر أسعد حظا، وأرغد عيشا، وأهنأ بالا من كلاب البوادي. وهناك اختلاف كبير فيما بين حظيهما. فكلب البادية يقوم على خدمة الإنسان ويحرسه، خلافا لكلب المدينة الذي يسهر الإنسان على خدمته وحراسته. في البادية يلهث الكلب وراء الإنسان، وفي المدينة يلهث الإنسان وراء كلبه. وأنت تسير في شوارع المدينة، عليك أن تحذر من أن تدوس كلبا فقد يعضك صاحبه. وهناك في المدينة من يضع الطوق في عنق الكلب فقط لأنه يعتقد أن الكلب لا يستطيع أن يفعل ذلك بنفسه. والكلب في المدينة معزز مكرم، يلقى عناية طبية خاصة، ويؤخذ إلى الحلاق، وخصصت لمأكولاته أجنحة كبيرة في الأسواق الممتازة. وذهبت بعض جماعات مدينة تولوز الفرنسية إلى حد وضع آنية للماء الشروب بمختلف الشوارع، كتب عليها خاص بالكلاب. إلا أن أحد الظرفاء أضاف إلى ما كتب: "التي تعرف القراءة". ويكفي كلاب الحواضر فخرا أن أول من قام بجولة في الفضاء ودار حول الأرض هي الكلبة "لايكا" التي أطلقها الإتحاد السوفياتي في قمر صناعي.

لكن، بسبب الهجرة، الحواضر أيضا تعج بالكلاب الشاردة، تتعارش وتتهارش بئيسة تعسة، لا تحسدها كلاب البوادي على عيشها. ويبقى الكلب كلبا، ومن شاء أطعم كلبه الدجاج المسمن وأعلف حماره السمسم المقشر.

ابهر شخص، وهو واقف عند الجزار، عندما شاهد كلبا، لوحده، يتقدم من صاحب المحل، ممسكا بفمه كيسا، تسلمه منه الجزار، وأخرج منه النقود، ووضع في الكيس مقدارا من اللحم، وأعاده إلى فم الكلب، الذي انصرف. فتبعه صاحبنا، وهو مندهش، إلى أن صعد إلى الطابق الثاني بعمارة قريبة، فدق الباب بإحدى قوائمه، كأنه إنسان، مما زاد صاحبنا إعجابا. وفتح رجل الباب للكلب، وأخذ ينهره، فاستنكر صاحبنا على الرجل تصرفه مع كلب بمثل هذا الذكاء. لكن الرجل أجابه: أي ذكاء؟ في كل مرة ينسى مفتاح البيت !

القانع اللاهث 3

إذا كانت عادة أكل لحم الكلاب شائعة بين شعوب بعض الدول الآسيوية، ومنها الصين وفيتنام والفلبين ولاوس، فإن شعوب أخرى أكلت لحم الكلاب اضطرارا أو تأكله بدون علمها؛ كما هو الشأن عندنا، بعد اعتقال مروجي لحم الكلاب بالدار البيضاء، حيث يحول إلى "صوصيص" و"تقلية"، في محلات بدرب السلطان. وللتخفيف عمن يعتقد أنه "عركها لحم كلبي بلا هواه"، فإن شعوبا وقبائل من مختلف القارات تعتبره لحما جيدا، تفضله وتتداوله في أسواقها بشكل علني.

ففي الصين، يعتبر طبق لحم الكلاب من الأطعمة التقليدية. ويعتقد الصينيون أن أطباق لحوم الكلاب، المعروفة عندهم باسم "شيانغرو" أي "اللحوم الفواحة"، لها فوائد صحية. وكانت بكين قد قررت، خلال الألعاب الأولمبية الأخيرة، استبعاد طبق لحم الكلاب من لوائح الطعام وقوائمها، تقديراً لمشاعر الأجانب المشاركين في تلك الألعاب. وكذلك فعلت سيول، خلال الألعاب الأولمبية لسنة 1988، وكأس العالم لكرة القدم 2002. ويعد طبق لحم الكلب جزء من التقاليد الكورية، ويعتقد الكوريون أنه جيد للصحة، وطعام شهي، وينظر إليه على أنه يزيد القوة والفحولة. ويحرص الفلبينيون على تقديم وجبة لحم الكلب "أسو" للشخص العزيز عليهم. ويعتقدون أنه مفيد، ويقوي الجسم والركب والقلب، أنه مقوي جنسي.

وحتى بعض البلدان الإفريقية تنتشر بها عادة أكل لحوم الكلاب، حيث تقدم كسلع عادية في أسواق أبيدجان بالكوت ديفوار، وفي واغادوغو ببوركينا فاصو، حيث لا يعتبر الزفاف زفافا بدون لحم الكلب. كما يعرض لحم الكلاب في أسواق كينشاسا ومبانداكا بالكونغو.  ويقال (والله أعلم) بأن إحدى مناطق تونس، كذلك، يأكلونه، ويسمون الكلب "غزيّل السطح".

وفي أوروبا، ما زالت بعض مناطق سويسرا، واسبانيا بدرجة أقل، يعدون شرائح لحم الكلب الجافة. ومازال الفرنسيون يذكرون مجاعة 1870، عندما انتشرت بباريز محلات جزارة خاصة بلحوم الكلاب. وبالدانمارك، أقر الأمير هنريك زوج الملكة، في حديث خص به مجلة "سي آند هوير" الدنماركية، بأنه يحب لحم الكلاب. وقد أصبح يأكل لحم الكلاب، وحيوانات الفصيلة الكلبية الأخرى، منذ مرحلة مبكرة من عمره، حيث نشأ وترعرع في فيتنام، التي تخصص سكانها في أكل لحم الكلاب المشوي.

وفي سنة 1981، نشبت أزمة دبلوماسية بين الحكومة الفليبنية والحكومة البريطانية، سبب برلماني بريطاني، طلب من حكومة بلاده الاحتجاج على صور تنشرها الصحف الفلبينية لإعلانات بيع لحم الكلاب المشوي، فوافقته رئيسة الوزراء، آنذاك، مارغريت تاتشر، مصرحة بأنها تشعر بالتقزز من المنظر؛ وهو الأمر الذي أثار حفيظة الحكومة الفلبينية.

اضطرت أسرة، حاصرتها الثلوج لأسابيع في مسكنها بإحدى القرى الجبلية، إلى ذبح كلبها الأليف وأكله. وبعد آخر وجبة من لحم الكلب، جمع رب البيت العظام المتبقية، وتنهد قائلا: آه لو كان كلبنا ما زال على قيد الحياة لسرّ بكل هذه العظام !



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170