مجرد جراد 1

حشرة آكلة للنبات، يتراوح طولها ما بين 3 و13 سم، تبدو مسالمة، لكنها كالوحش الكاسر، تأتي على الأخضر واليابس، في حلها وترحالها آفات وكوارث. وكان للعرب معها تاريخ طويل، تغير عليهم وتفسد في محاصيلهم، فيفتكوا بها، وينزلوا في جحافلها أكلا، حتى هاموا بها لغويا، ووصفوها بأدق الأسماء، ونعتوها بأبلغ النعوت.

والواحدة من الجراد جرادة، تقع على الذكر والأنثى، وقيل هو اسم للجنس. وقيل إنما سمي جرادا لأنه يجرد الأرض جردا، أي أكل ما عليها (عكس ما في الدارجة "الجردة" الحديقة). كما يقال زرع مجرود أي أصابه الجراد. ومضى عليهم عام أجرد وجريد. ويقال: أجرد من الجراد. (ومن يدري، فقد يكون أصل الجريدة أيضا من الجراد). والجراد يطير ولا يسمى بالطير. وقالوا في وصفه: "طير إذا طار بسط، وإذا دنا من الأرض لطع، رجلاه كالمنشار، وعيناه كالزجاج. عينه في جنبه، ورجله أطول من قامته" وقالوا: "جيدها كجيد البقر، ورأسها كرأس الفرس، وقرنها كقرن الوعل، ورجلها كرجل الحمل، وبطنها كبطن الحية، تطير بأربعة أجنحة، وتأكل بلسانها"

أول ما يكون سرو، وهو أبيض، فإذا تحرك واسودّ فهو دبى قبل أن تنبت أجنحته، وإذا صار في الجراد خطوط سود وصفر وبيض فهو المسيح، فإذا بدا حجم جناحه فذلك كتفان لأنه حينئذ يكتف المشي، وإذا ظهرت أجنحته وصار أحمر إلى الغبرة، فهو الغوغاء وذلك حين يموج بعضه في بعض ولا يتوجه جهة واحدة، وشبه بها سواد الناس وسفلتها، وقيل إذا اصفرّت الذكور واسودت الإناث ذهب عنه الأسماء إلا الجراد، فهو آخر أسمائه.

وسمي ذكر الجراد حُنْظُبْ وعُنظُبْ. والخَيْفَان الجراد أول ما يطير، والقَمَصُ الجراد أول ما يخرج من بيضه، والحَرْشَفُ الجراد ما لم تنبت له أجنحته. والقعيد الجراد الذي لم يستو جناحاه بعد. وأبو جُخادَي، وأبو جُخادَب الجراد الأخضر طويل الرجلين، وجثُّ الجراد ميّته، وسمي الجراد الجابي لطلوعه، وجبا الجراد أي هجم. ومن أسمائه كذلك الهاوي، والجانح، والجادي، والديحان، والسِّرياح، وأبو عُويف، والغاوي، واللّحاسة....

وذنّب الجراد إذا أرادت التعاظل والبيض، فغرزت أذنابها، كما يقال رزّت الجرادة ذنَبَها في الأرض، أي اتبتته لتبيض. كما يقال للجراد إذا ثبت أذنابه ليبيض، متَحَ، وبَنَّ، وقَلَّزَ. وأنقف الجراد: رمى ببيضه. وأخنى الجراد كثر بيضه، والثوّالة الكثير من الجراد، وارتهش الجراد إذا ركب بعضه بعضا حتى لا يكاد يُرى التراب معه. وثار الجراد: ظهر، وهَمَشَ الجراد: تحرّك ليثور. والكصيص صوت الجراد. ويقال احتنك الجراد الأرض، وبشرها،  إذا جرد ما عليها أكلا، ويقال دبَشَ الجراد في الأرض يدبشها دبشا: أكل كلأها. وكذلك نتش الجراد الأرض. ونعص الجراد الأرض أكل نباتها كلها. وأرض بقِعة، فيها بقع من الجراد. وأرض محسوسة أصابها الجراد، وجراد محسوس قتله البرد.

.ومن الأمثال العربية: أحمى من مجير الجراد، وكانت العرب تمتدح بالذب عن الجار، حتى كان فيهم من يحمي الجراد إذا نزل في جواره، فسمي مجير الجراد. وله قصة تروى عن حارثة بن مر أبا حنبل، وقيل هو مدلج بن سويد الطائي، قالوا أنه خلا ذات يوم في خيمته، فإذا هو بقوم من طيء ومعهم أوعيتهم، فقال: ما خطبكم؟ قالوا: جراد وقع بفنائك فجئنا لنأخذه. فركب فرسه، وأخذ رمحه وقال: والله لا يعرضن له أحد منكم إلا قتلته، إنكم ريأتموه في جواري ثم تريدون أخذه. فلم يزل يحرسه حتى حميت عليه الشمس وطار. فقال: شأنكم الآن فقد تحول عن جواري! .

مجرد جراد2

من الأمثال العربية "كالجراد يأكل ما وجده، ويأكله ما وجده"، فهو إما آكل أو مأكول. فقد كان الجراد يجدب أقواما ويخصب آخرين. وكان ذلك قبل أن تخترع المبيدات الكيماوية السامة. فالجراد إما أن يكون بلاء على قوم أو يكون رزقا لهم، أو لغيرهم. وفي ذلك قال الشاعر:

.إذا أكل الجراد حُروث قوم - فحرثي همّه أكل الجراد

وقد أجمع المسلمون على أكل لحم الجراد. ويروى عن عبد الله بن أبي أوفى قوله: غزوت مع رسول الله (ص) سبع غزوات نأكل معه الجراد. وفي حديث عن النبي (ص) أنه قال: أن مريم ابنة عمران سألت ربها أن يطعمها لحما لا دم فيه، فأطعمها الجراد، فقالت: اللهم أعشه بغير رضاع وتابع بينه بغير شياع. وقيل كان طعام يحيى بن زكريا عليهما السلام الجراد. وذكر الجراد عند عمر بن الخطاب فقال: ليت عندنا منه قفعة أو قفعتين، والقفعة نوع من السلال. وقال الأصمعي: ثلاث ربما صرعت أهل البيت عن آخرهم: الجراد، ولحوم الإبل، والفطر، وهو الفقع. وذكر أبو علي ابن سينا أن فيه شفاء لعسر البول والبواسير ولسع العقرب.

وقال أعرابي: ما شبعت من الجراد قط، وما أدعه إلا خوفا من عاقبته، أو لأني أعيا فأتركه. وقالوا بأن الجراد المأكول ضروب، فمنه الأهوازي، ومنه المذنب، وأطيبه الأعرابي، وأهل خراسان لا يأكلونه. وقال الأزهري: رأيت العرب يملأون الوعاء من الجراد وهي تَهتَشُّ فيه، ويحتفرون حفرة في الرمل ويوقدون فيها، ثم يكبون الجراد من الوعاء فيها، ويهيلون عليها القدرة الموقدة حتى تموت، ثم يستخرجونها ينشرونها في الشمس، فإذا يبست أكلوها. وقالوا: الجراد يؤكل يابسا وغير يابس، ويجعل إداما ونقلا. ويطيب حارا وباردا، ومشويا ومطبوخا، ومنظوما في خيط، ومجعولا في المسلة. وكانوا يرازمون بين الجراد والتمر، والمُرازمة في الأكل هي الموالاة. الوزيمة عندهم إذا جفف الجراد وهو مطبوخ. والوهيسة: أن يطبخ الجراد ثم يجفف ويدقق فيقمح ويؤكل بدسم.

  وكان للمغاربة، كذلك، ولع بأكل الجراد، فكان سكان بوادي الجنوب يقومون الليل، لجمعه قبل طلوع الشمس، يملأون به المخازن. وقد ذكر ذلك الإدريسي في مؤلفه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" حيث ذكر أكل أهل سوس وأهل مراكش للجراد أكلا كثيرا، مقليا ومملوحا، وأنه كان يباع بمراكش كل يوم الثلاثون حملا فما دونها وفوقها. وكان يباع حتى في المدن الكبرى. وأذكر أنه كان يباع، في نهاية الستينات للأطفال أمام أبواب المدارس بالدار البيضاء، مسلوقا ومملحا بريال ل"العرمة"، وأكلت منه مرارا.

جاء جحا قومه، وهو يصرخ ويولول، محذرا من قدوم جحافل الجراد، وكانت السنة سنة فقر وجوع من القحط وقلة الأمطار، فتفاجأ عندما فرحوا للأمر وشكروه وأكرموه، لأن الجراد جاءهم كرزق سيكفيهم مشاكل القحط والجوع. ومرت سنوات، فحدث أن شاهد جحا طلائع أسراب الجراد قادمة، فأسرع إلى قومه يصرخ فيهم مبشرا بقدوم الجراد، وكانت السنة سنة مطر وخير وزرع كثير، فأمسكوا به وأشبعوه ضربا مستنكرين أن يبشرهم بسوء، لأن الجراد سيقضي على محاصيلهم.

مجرد جراد3

من الأمثال المغربية: "الجراد كايرخّص اللحم"، لأنه يقضي على الكلأ، فالجراد يلتهم في الكيلومتر الواحد، من السرب، حوالي 100 ألف طن من النباتات الخضراء في اليوم، وهو ما يكفي لغذاء نصف مليون شخص لمدة سنة. والجراد لا يبقي ولا يذر، ويأتي على الأخضر واليابس، ربما لأن عنده عمى الألوان. وقال أحد المصريين: "الحراميه ما سابوش لا اخضر ولا يابس للجراد المسكين" ولكن الجراد، حقيقة، يخلف آثارا جد سلبية على الاقتصاد والبيئة. وكما قالت العرب: ليس هناك أفسد من الجراد. وقال أعرابي:

مرّ الجراد على زرعي فقلت له الزم طريقك لا تولع بإفساد

فقام منهم خطيب فوق سنبلة إنـا على سفر لا بد من زاد

هناك عشرون ألف نوع من الجراد في العالم، منقسمة إلى ثماني عائلات، يوجد منها في المغرب حوالي مائتي نوع؛ نوعان منها، فقط، تهدد المزروعات والكلأ، وهما: الجراد المغربي Dociostaurus maroccanus (Thunberg)، والجراد الصحراويSchistocerca gregaria (Forskl). وإذا كان النوع الأول، ولد البلاد، يمكن التحكم فيه نسبيا، رغم شراسته وإلحاقه الضرر بعدد من البلدان، فالجراد الصحراوي يبقى الأخطر، يجتاح المغرب عادة في فصل الخريف من الجنوب والجنوب الشرقي.  

والجراد الصحراوي يستطيع الطيران لمدد طويلة بدون توقف، فقد قطع في عام 1988 مسافة تقدر بخمسة آلاف كلم في عشرة أيام، كما يستطيع هذا النوع من الجراد الانتشار في مساحة 25 مليون كلم مربع، أي ما يقرب من 20% من حجم الأرض، ويأكل في مثل هذه الحالة طعام ما يقرب من 10% من سكان الأرض.

ويعود أقدم هجوم معروف لأسراب الجراد على المغرب إلى سنة 1780. وفي القرن الماضي، شهد المغرب خمس غزوات كبرى للجراد، واحدة سنة 1914 وامتدت خمس سنوات، بعد ذلك عانت المملكة من أربع حقب طغى فيها الجراد: من 1927 إلى 1934، ومن 1941 إلى 1948، ومن 1954 إلى 1961، ومن 1987 إلى 1989. وهذه الأخيرة كانت الأهم، فقد كلفت حوالي مليار درهم لمعالجة خمسة ملايين هكتار، بالإضافة إلى تجنيد وسائل بشرية وتقنية ضخمة.

ويوضح المثل المغربي "باش عاش بلاّرج حتى جا عام الجراد" ظاهرة اختفاء الجراد لسنوات ثم عودته لسنوات أخر، مما يجعل مهمة مكافحته والقضاء عليه صعبة. ولذلك أنشأت الدول المهددة هيئات وآليات للمراقبة والمتابعة، بالتنسيق مع المنظمات الدولية كالفاو.

خلال إحدى عمليات رش الجراد بالمبيدات على الأرض، سمع أحد البدو المشاركين في العملية طائرة هيلكوبتر مشاركة في العملية، فرفع رأسه، وما أن شاهدها، حتى أخذ يصرخ في زملائه بهستيرية: ملكة الجراد قادمة! ملكة الجراد قادمة! .



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170