الكرامة للجميع

خلّد المجتمع الدولي، في العاشر من هذا الشهر، اليوم العالمي لحقوق الإنسان، والذي صادف، هذه السنة، الذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وقد اختير لهذه الذكرى شعار "الكرامة والعدالة للجميع". والكرامة والعدالة مصطلحان ملتبسان، لما بينهما من تداخل وتقاطع. وإذا كانت القوانين الوضعية قد استطاعت، إلى حد ما، أن تطوع بمفهوم العدالة للواقع المعاش، وتحيط بغاياته ومقاصده، فإن مصطلح الكرامة يظل عصي التحديد لشموليته، فهو الأساس كما جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "...لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم...".

وجاء في القرآن الكريم: "ولقد كرمنا بني آدم"، وفي ذلك تأكيد لكونية مبدأ الكرامة الإنسانية. والكرامة، في أوضح معانيها، هي العزة والرفعة والبعد عن مواطن الذل والمهانة. والكرامة مطلب أساسي لكل إنسان حتى قيل: "عش عزيزا أو مت وأنت كريم". ومن مقولات غاندي: عندما يعي المرء بأنه من المناقض لكرامته الإنسانية أن يخضع لقوانين جائرة، لن يستعبده بعد ذلك أي مستبد.

وجاء في مؤلف "لئلا تضيع" لسلام الراسي أنه حدث، ذات مرة، أن قُدّم فلاح لبناني أمام محكمة النبطية، بعد أن ضبطه الدرك يحرث على ثور وحمار، لأن الحراثة على الحمار مخالفة لقانون الرفق بالحيوان، ولا تجوز شرعا. وبرّر المسكين مخالفته بكونه رجل فقير جدا، وسيئ الحظ، وليس عنده إلا ثور واحد، لأن ثوره الآخر مات مؤخرا، وليس لديه ما يشتري به ثورا آخر، وهو رب عائلة كبيرة ومسؤول عن معيشتها، لذلك اضطر إلى ربط حماره إلى جانب ثوره، للحراثة عليهما معا. وتأثر القاضي بكلام الرجل، ووجد نفسه في حيرة بين حرفية القانون وقوة الواقع: رجل فقير لم تفعل الدولة شيئا من أجله، ولم تحاول أن تحافظ على حقه أو على كرامته، بل إنها تريد أن تحافظ حق وكرامة حماره؛ فحكم، في الأخير، ببراءة الرجل، حتى لا يقال أن المحكمة تحافظ على كرامة الحمار أكثر من كرامة صاحبه. وذاع خبر هذه المحاكمة، وعلّقت عليها الصّحف ما طاب لها؛ حتى أن القاضي المذكور استقال بسبب مضاعفات هذه الدعوى.

وكان أحد الزعماء العرب اعتاد أن يقف خلفه أحد مستشاريه، كلما أراد أن يلقي كلمة أو خطابا بمناسبة ما، ليهمس له بما أشكل عليه، أو ينقذه من موقف حرج قد يتعرض له خلال ذلك. ومرة وبينما كان ينوي إلقاء كلمة، أمام حشد من الجماهير، في إحدى المناسبات الحماسية، تلعثم الزعيم، ولم يتمكن المستشار من الاقتراب من أذنه، لتزاحم الحراس وباقي المسؤولين خلفه، فمد يده، في حركة تلقائية، لكي يصل إلى الزعيم، عندما شعر بحاجة هذا الأخير إليه، لكن يده لمست الزعيم في مؤخرته، فحلّت عقدة لسان الزعيم، ونطق قائلا: أيها الشعب إنّ يدا خفية تمسّ كرامتنا.. !



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170