1

التحية العسكرية، رمز الاحترام والانضباط، عرف عسكري مترسخ، وتقليد منتشر، تلتزم به جميع جيوش العالم في ثقافتها العسكرية، احتراما للضباط وإنزالهم منازلهم، وفي بروتوكولاتها عند الوقوف لتحية أي علم وطني أو احتراما لنشيد وطني.

التحية بمعنى السلام، أصلها الحياة والبقاء. فالتحية تفعلة من الحياة، وقولهم: حيَاك الله هي بمعنى أبقاك الله وعمّرك. وقيل هو من استقبال المُحيّا، وهو الوجه. وهناك معنى ثالث للتحية وهو الدنو والقرب، حيث يقال حيّا الخمسين: أي دنا منها. وجاء في سورة النساء: "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها".

والتحية، سواء كانت كلاما مكتوبا أو مقولا أو إشارة، من علامات اللياقة وحسن الأدب، ودليل على الاحترام. والتحية بالمصافحة أو الإشارة باليد والرأس أكثر التحيات انتشارا في جميع الحضارات، وفي مختلف العصور والأزمنة.

أما في قواعد السلوك العسكري، فتعتبر التحية العادية أو المصافحة ابتذالا منافيا للانضباط المفروض في المجندين. فحسن الانضباط عنصر أساسي في نجاح الجيوش وتقدمها. ولذلك فالتحية العسكرية، التي هي رفع اليد اليمنى حتى الجبين وما يصاحبها من وضع استقامة، هي دلالة على الاحترام الواجب من الجندي لمرؤوسيه الأعلى منه رتبة، كلما التقى بهم أو تقابل معهم. وهي تعبير من الجندي على الانضباط والطاعة. وهي تحية متبادلة بين الطرفين، إذ يُرد عليها بنفس الإشارة.

وهذه التحية العسكرية أكثر التحيات النظامية انتشارا (هناك أشكال مختلفة من إشارات التحيات الرياضية، والتحية الكشفية، وتحيات الفنانين للجمهور وغيرها)، وهناك تحيات عسكرية أخرى متميزة، أبرزها التحية النازية المعروفة التي فرضها هتلر على الجيش الألماني.

 وهي تقليد قديم مُختلَفٌ في أصوله. فهناك من يرى أن أصل التحية العسكرية يعود إلى عهود قديمة جدا، عندما كان يلتقي المسافرون على الطريق، فيشير الواحد منهم للآخر برفع يده اليمنى مفتوحة، تأكيدا على أنه أعزل لا يحمل سلاح، وليعلن أنه مسالم وليس عدوا محتملا.

ولاختبار مدى استيعاب احترام أداء التحية العسكرية، سأل ضابط أحد جنوده:

-  لو قابلتني وكنت تحمل في يدك اليمنى كيسا وفي اليسرى كيسا آخر فكيف ستحييني دون أن تتخلص من الكيسين؟

-  سأقف باستقامة وأدق كعبي قدمي بشدة.

-  وافرض أننا التقينا وكانت تمسك بذراعك اليمين سيدة وبذراعك الشمال سيدة أخرى فماذا ستفعل؟

-  في هذه الحالة، لا أعتقد أنني سأراك...


2

يرى البعض الآخر أن أصل التحية العسكرية يعود إلى أيام الفروسية، عندما كان الفرسان يلبسون الخوذات الحديدية التي كانت تتميز بحجاب حديدي واق للوجه، يرفع إلى أعلى لكشف الوجه، ويعاد لحمايته دون إزالة الخوذة. وكان الجنود يرفعونه باليد اليمنى لتحية الضباط ولإثبات الهوية.

ويرى البعض الآخر أن أصلها يعود إلى عادة رفع القبعة قليلا عن الرأس، دون خلعها، لإظهار الاحترام والمجاملة، فمرت بمراحل كثيرة قبل أن تصبح تحية عسكرية رسمية. ويقول البعض أنه، تخوفا من اتساخ القبعات من البارود والطين الموجود في اليد، اكتفي من تحية رفع القبعة بالإشارة المعروفة.

وذهب آخرون في تفسير أصل التحية العسكرية، إلى أنه يعود إلى أواخر القرن السادس عشر عندما هزم الإنجليز الأسطول الأسباني سنة 1588، حيث أصدر قائد الأسطول الإنجليزي، تملقا للملكة، أمرا غريبا يخص الضباط والبحارة الذين ستوشحهم الملكة إليزابيث في حفل بالمناسبة. وجاء في هذا الأمر:

 "نظرا لجمال ملكتنا الفائق، الذي يذهب بالأبصار، على كل جندي عندما يتقدم أمام جلالتها لتقلد الوسام، الذي ستنعم عليه به، أن يضع يده اليمنى على عينيه وقاية لهما".

 ومنذ ذلك التاريخ أصبحت تلك التحية من تقاليد تلك الملكة التي توفيت سنة 1603. وبمضي الأيام تطورت التحية حتى اتخذت الوضع الحالي، وعن إنجلترا أخذتها الأمم الأخرى فأصبحت التحية الرسمية لجميع الهيئات العسكرية.

وذهب أحد شيوخ التطرف الديني والتكفير إلى حد إصدار فتوى تحريم التحية العسكرية، بدعوى أن في أداءها "مهانة للمسلم وخضوع وخنوع لبشر، ولأن ذلك يجعل الرجل التقي ينحني بالتحية لمن هو أقل منه شأنا من ناحية التدين حتى وإن علت مرتبته العسكرية، ولأن ما يصاحب هذه التحية من خشوع لا يجوز إلا لله".

وفي المشرق العربي، وبمصر على الخصوص، تستعمل بكثرة عبارة "تعظيم سلام" للدلالة على التحية العسكرية. وتستعار للتعبير عن شدة التقدير والإكبار. وينتشر عندهم أداء إشارة التحية العسكرية بشكل كبير بين المدنيين. ومن نكت المشرق العربي:  "صعيدي كل ما يشوف الثلاجة يأدي التحية العسكرية ليه؟؟ لأنه مكتوب عليها جنيرال".

يتداول العامة في المغرب تعبير "كردف له" (أي أدى له التحية العسكرية) وأصلها من الفرنسية garde--vous. ويحكى أنه في منطقة إغرم (جنوب المغرب) أيام الحماية الفرنسية، التقى أحد المجندين المغاربة الجدد في صفوف الجيش الفرنسي، ضابطا فرنسيا كان برفقة زوجته فحياه الجندي التحية العسكرية بيديه اليمنى واليسرى معا، فاستغرب الضابط الفرنسي وسأله عن هذه التحية الغريبة، فأوضح له الجندي أن اليد اليمنى لتحية "الفسيان" (الضابط) واليسرى لتحية "مادام" (السيدة حرمه).



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170