بدائع الضفادع  1

ذكرت دراسة أسترالية حديثة أن البشر يلتهمون حوالي مليار ضفدعة سنويا، محذرة من أن أكل الضفادع قد يؤدي إلى انقراضها، مما سيسبب في الانتشار المفرط للحشرات التي تقضي على المحاصيل الزراعية. حقا الإنسان جحود، فهذا الحيوان البرمائي، العجيب الشكل والغريب الأطوار، قدّم خدمات جليلة للعلم، يُشرّح جسده في المدارس والكليات، في سبيل الدراسة والبحث العلمي.

وإذا كانت الضفادع تؤكل في الصين وشمال اليونان والفلبين وبعض ولايات الجنوب الأمريكي ويفضل الفرنسيون أفخاذها، وللناس في ما يعشقون مذاهب، فالمغاربة، والمسلمون بصفة عامة، بريئون من أكلها وقتلها. فقد نهى الحديث عن قتل خمسة أنواع: "النملة، والنحلة، والضفدع والصرد والهدهد". ويقول المغاربة: "اعلاش بغا يضرب (يقتل) الجرانة، واش على الراس ولاّ على البطانة" (لا نفع فيها حين تقتل).

حيوان عجيب في خلقه وشكله، عيناه جاحظتان، لسانه كالسوط في لحسه للحشرات، ينفخ حنجرته حتى تصبح أضخم من رأسه، يقفز ولا يمشي، قفزاته في جميع الاتجاهات عجيبة، قد يحلق في قفزته إلى حوالي 30 مترا، يتغذى على الحشرات، فيلتهم الواحد منها أزيد من 150 حشرة في اليوم. وبذلك يحمي النباتات والمزروعات. وحتى في سباته، الذي قد يدوم خمسة أو ستة أشهر، لا يترك النباتات بدون حماية، فصغاره دون الخمس سنوات تقوم بالمداومة المستمرة، للقضاء على الحشرات. وهناك حوالي 5000 نوع من الضفادع، تعيش تقريبا في جميع أنحاء العالم، وقد تبيض الضفدعة ما بين 25 و30 ألف من البيوض.

وعلاقة الضفادع بالماء أغرب، فالشراغف تنشأ كالأسماك في الماء، بأذناب، ثم تنمو وتتخلص من أذنابها، وتخرج إلى اليابسة لتتنفس الهواء، ولا تشرب الماء بل تبتل به، وتبقى سباحة ماهرة، يحاول أن يقلدها الإنسان، حتى سمي الغواصون بالرجال الضفادع. ويقول المغاربة في أمثالهم الشعبية:  "بات فالما، واصبح بن عم الجران"، ومثله "طاح في الكلتة واصبح ولد الجران".

وقد أجرى بعض العلماء تجربة على ضفدعة، فقاموا بوضعها في إناء به ماء يغلي، فقفزت الضفدعة عدة قفزات سريعة تمكنها من الخروج من هذا الجحيم الذي وضعت فيه, لكن العلماء عندما وضعوا الضفدعة في إناء به ماء درجة حرارته عادية، ثم اخذوا في رفع درجة حرارة الماء وتسخينه، إلى أن وصل إلى درجة الغليان، وجدوا أن الضفدعة ظلت في الماء حتى أتى عليها تماما، وماتت دون أن تحاول أدنى محاولة للخروج من الماء المغلي. واستنتجوا أن الجهاز العصبي للضفدعة لا يستجيب إلا للتغييرات الحادة، ولا يستجيب للتغيير البطيء على المدى الطويل. ومن الأمثال الأمازيغية:  "إناس أوكرو (أليغا) بدّلن وامان" أو "أمان ياضنين أياد"، (هذا الماء غير الماء المعتاد)، ذلك أن ضفدعة ظلت تقفز بين الماء والأغصان، إلى أن وقعت في قدر من الماء يغلي على نار، وعندما أحست ب"الصهض" قالت قولتها. وهناك مثل مغربي آخر يقول: "قالت الجرانة: وايني هادي امِّيها نقيّة" (وهي متعودة على الماء الكدر، فتعجبت من نقاوة الماء).

جمع الأسد حيوانات الغابة يستشيرهم في آفة الجفاف الذي أصاب الغابة، وفي كل مرة تصيح الضفدعة فلنقتل الفيل، وكان لها خصومة معه، وأراد الأسد أن يردعها بعد أن شوشت على الاجتماع، فقال: هذا اليوم سأقتل حيوانا كبير الفم جاحظ العينين. فقالت الضفدعة: بعد أن تقتل التمساح، نقتل الفيل!

بدائع الضفادع  2

عاشت الضفادع على الأرض قبل الإنسان، وشهدت ميلاد الديناصورات وانقراضها، متأقلمة مع جميع المناخات، تتلون كالحرباء، تقفز على الأرض وعلى أغصان الشجر وتسبح في الماء. تدخل في سبات من الشتاء إلى الربيع، قد يدوم خمسة أو ستة أشهر، فتختفي في حفر طينية، وتتوقف رئتها عن العمل، لتتنفس عبر جلدها العجيب. وأكدت دراسة أسترالية، نشرت سنة 1999، أن ذكور الضفادع السمينة الخضراء تفرز، خلال موسم التزاوج، عطرا خاصا يذوب في المياه، تعجز الإناث من النوع نفسه، عن مقاومة إغرائه. أصغر ضفدع في العالم لا يرى إلا بالميكروسكوب، ويوجد في جنوب إفريقيا ضفدعة يبلغ طولها 62 سنتمترا.

وبخصوص صوت الضفادع "النقيق"، أثبت العلماء المحدثون ما كان يزعمه العرب من أن الضفادع "لا تصوت، ولا يتهيأ لها ذلك حتى يكون في فيها ماء". وفي ذلك قال الشاعر:

يُدخل في الأشداق ماء ينصفه

                        كيما  ينق  والنقيق  يتلفه

وقد خص الباحثون أصوات الضفادع بالدراسة أكثر من غيرها من الحيوانات، وخلص خبراء ألمان إلى أن الضفادع، وخاصة الخضراء، تؤلف أركسترا موسيقية حقيقية. ففي الصيف، عند غروب الشمس، تنقسم إلى مجموعتين، متباعدتين عن بعضهما, وفي كل مجموعة هناك ضفدعة مسنة تنق بصوت جهير بانتظام، وخلفها أخرى تنق بإيقاع أسرع وبصوت عالي أكثر حدة، كأصوات المادحين، وفي كل مجموعة اثنين من السوبرانو. وينطلق الجميع في تجانس هارموني بديع، لا يختل ميزانه. وتؤدي معزوفاتها على ثلاث مقامات رئيسية، ويمكنها أن تؤديها على أكثر من ذلك، فلكل منها مقامات صوتية متعددة. وقال الأخطل:

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت

                              فدل عليها صوتها حية النهر

وتقول العرب: "أرسخ من ضفدع"، والرسخ خفة لحم العجز والفخذين. والضفادع من الخلق الذي لا عظام له. وتزعم الأعراب أن الضفدع كان ذا ذنب، وأن الضب سلبه إياه، وذلك في خرافة مفادها أن الضب خاصم الضفدع في الظمأ أيهما أصبر، وكان للضفدع ذنب، وكان الضب ممسوحا، فلما غلبه الضب أخذ ذنبه. وقالوا: الضفدع جيد السمع إذا ترك النقيق، وكان خارجا من الماء. وهو في ذلك الوقت أحذر من الغراب والعصفور، وأسمع من فرس ومن عقاب. وقالوا: إذا رأى الضفدع النار والفجر أمسك عن النقيق. ومن الأمثال الأندلسية: "استنعلت الدواب، فاستنعلت الضفدعة"، رفعت رجليها عندما شاهدت الدواب تنعل.

في إحدى المختبرات الجامعية، قرر طالب باحث إجراء تجربة علمية على ضفدعة حية. بتر إحدى أرجلها، وصاح فيها فقفزت، فبتر رجلها الثانية، وصاح فيها، فقفزت، وبتر باقي أرجلها، وصاح فيها، فلم تتحرك، فدوّن على أوراقه خلاصته: إذا فقدت الضفدعة أرجلها الأربعة تصبح صمّاء لا تسمع !



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170