الحمّام: الطبيب الأبكم

لا شك أن أصل الحمّامات العمومية الشعبية، عندنا وفي باقي بلدان المشرق العربي، يتجاوز إشعاع الأندلس والإمبراطورية العثمانية، وحتى بداية الخلافة الإسلامية، إلى حضارات اليونان القديمة، في القرن السادس قبل الميلاد، حيث آثار حمّاماته باقية تشهد على ذلك. أما فكرة الاغتسال بالماء الساخن وبخاره، للتطهير من الداخل، فربما جاءت من حضارات آسيا العريقة، المتشبعة بالتطهير الروحي. وفي حديث عن النبي (ص): نعم البيت الحمّام، يُطهّر الجسد ويُذكّر النار".

والحمّام، لغة، مشتق من الحميم، وهو الماء الساخن، وأصلها الحَمّ وهي الحرارة، ومنها الحمة وهي عين ماء حار. وعليه فالاستحمام أصله الاغتسال بالماء الساخن، ثم صار كل اغتسال استحماما بأي ماء كان. والحميم قد يعني كذلك الماء البارد. ولا غرابة، فمصطلح (Sauna) كلمة فنلندية، وتعني حفرة في الأرض أو حفرة في الثلج!  

ولا زال المغاربة، نساء ورجالا، يفضلون الحمّامات الشعبية. ومثل آبائهم وأجدادهم، يؤمنون بأنها تحلل الرياح وتنظف القشف والعرق، وتذهب الإعياء، وترطب البدن، وتحسن البشرة، وتنفع في أوجاع داء المفاصل. وقالوا في أمثالهم: "خُذ من اللحم امراقو، ومن الفجل اوراقو، ومن الحمّام اعراقو". ففي الحمّام: البيت الأول (البراّني) مبرِّد مرطِّب، والبيت الثاني (الوسطي) مسخّن مرخ، والبيت الثالث (الداخلي حيث توجد البرمة) مسخّن مخفِّف، وفيه قالوا: "بحال اللّي اخرج من الدّاخلي دالحمّام (عيّان أو تالف)". أضف إلى ذلك دلك "الكسّال" أو "الطيابة"، أو كما يقول المغاربة: "حك لي نحك لك" (تعاون بدون أجر). وعلى العموم الحمّامات، بالنسبة لهم، تزيل الهموم والسموم، ألم يطلق عليها الأتراك "الطبيب الأبكم"؟

ومن أشهر الأمثال الشعبية حول الحمّام "ماشي بحال دخول الحمّا بحال خروجو"؛ ومثله عند المصريين "هو دخول الحمّام زيّ خروجو". وقالوا في الحمّام كذلك: "بالفرحة دالحمّام اتحزمت من الدّار"؛ و"لالة زينة والحمّام زادها"؛ و"شحال من قب خلاّ قاعو فالحمّام"؛ و"لو كان الحمّام يبيض يبيض قباب"؛ و"اللّي ما تحبش تشوف وجهو فالمنام يوريك قاعو فالحمّام"؛ و"اللّي ما عمرو شاف الحنية (القوس) في دار ابّاه، كايتعجب من قبة الحمّام"؛ و"امشات للحمّام غابت سبع ايام"، ومثله عند التونسيين: "عيشة مشات للحمام جابت حكاية عام".

ويحكى أن أصل المثل الشعبي المشهور عن المشارقة "اللّي اختاشو ماتو" أن النار اشتعلت في حمّام كانت بداخله نسوة، فأتت عليه عن آخره، ولم ينج من النسوة إلا اللواتي هربن عاريات، ومن لم تستطع منهن الخروج عارية حياء هلكت، فقيل في ذلك هذا المثل.



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170