أخلاقيات الحرب

في حربها الشنعاء على غزة، أتت إسرائيل من الأفعال ما تحرمه جميع التقاليد، والأعراف، والأديان، ويحظره القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية للمدنيين، من الأطفال والشيوخ والنساء، ومنعها إغاثة الجرحى والمرضى، باستهداف أطقم الإسعاف ومدارس الأونروا، للحيلولة دون الاضطلاع بالمهام الإنسانية التي تؤديها، وكذا استهدافها للمستشفيات والمساجد والصحافة. وهذه كلها أفعال عرفها القانون الدولي الإنساني ب"الانتهاكات الجسيمة"، وأكد على ضرورة وضع حد لها، ووجوب معاقبة المسؤولين عنها.

تأملوا: "الرصاص المتدفق"، و"أمطار الصيف"، و"الشتاء الساخن"، و"غيوم الخريف"، و"أول الغيث"....مجموعة أسماء أطلقتها إسرائيل على عمليات حربية عدوانية، سابقة، نفذتها في القطاع، وخلفت مئات القتلى وآلاف الجرحى من المدنيين. وهي أسماء دالة على تعميم النار والقتل، بعشوائية ودون تمييز، كما الأمطار في هطولها، وهي أسماء تفضح نوايا البطش والغطرسة الصهيونية. فإن لم يكن كل هذا جرائم حرب، فكيف تكون جرائم الحرب؟

رغم الاستثناءات التاريخية المعروفة بالوحشية، فقد كانت للحروب، منذ القدم، "أخلاقيات" يلتزم بها المتحاربون كحد فاصل بين عمل حربي وعمل همجي لا إنساني. فعلى سبيل المثال، كان الإسلام يوصي ألا يُقتل إلا من يقاتل، ويحذر من الغدر والتمثيل بالجثث وقطع الأشجار، وهدم المباني، وقتل النساء والأطفال والشيوخ والرهبان المنقطعين للعبادة والمزارعين المنقطعين لحراثة الأرض. وجاء في خطاب الخليفة الأول أبو بكر الصديق في الجيوش المتوجهة لفتح الشام: "...إذا نصرتم على عدوكم، فلا تقتلوا ولدا، ولا شيخا، ولا امرأة، ولا طفلا، ولا تعقروا بهيمة، إلا بهيمة المأكول، ولا تغدروا إذا عاهدتم، ولا تنقضوا إذا صالحتم، وستمرون على قوم في الصوامع رهبانا، يزعمون أنهم ترهبوا في الله، فدعوهم ولا تهدموا صوامعهم...".

وكإطار لأخلاقيات الحروب الحديثة، توصل المجتمع الدولي لما يسمى بالقانون الدولي الإنساني، وهو منظومة كاملة من الأدوات القانونية الواقية، التي تعالج سبل خوض الحروب وحماية الأفراد. ويتكون من اتفاقيات جنيف الأربعة لسنة 1949 (الاتفاقية الأولى لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان، وهي متممة ومعدلة لاتفاقية 1864، والاتفاقية الثانية لتحسين حال جرحى ومرضى وغرقى القوات المسلحة في البحار، والاتفاقية الثالثة بشأن معاملة أسرى الحرب، والاتفاقية الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب)؛ وألحق بها بروتوكولان إضافيان عام 1977 (البروتوكول الأول حول النزاعات الدولية، والبروتوكول الثاني حول النزاعات غير الدولية)؛ واعتمد البروتوكول الإضافي الثالث في عام 2005 حول الشارة الإضافية المميزة.

ويحمي القانون الدولي الإنساني، بالأخص، الأشخاص الذين لا يشاركون في القتال (كالمدنيين وأفراد الوحدات الطبية والدينية وعمال الإغاثة) والأشخاص الذين أصبحوا عاجزين عن القتال (كالجرحى والمرضى والجنود الغرقى وأسرى الحرب). وتطالب اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الثلاثة الإضافية باتخاذ إجراءات لمنع وقوع ما يعرف "بالانتهاكات الجسيمة" (أو وضع حد لها). ويجب معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات.

من النكت الفلسطينية، سؤال: لماذا لم يعد الفلسطينيون يرتدون الثياب السكنية (والمقصود بها الثياب رمادية اللون)؟  الجواب: لأن إسرائيل تقصف المناطق السكنية. 



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170