قفّة بلا ودنين

أصبحت القِفافُ خفافا، على قاعدة ما قلّ وزنه وغلا ثمنه. هذا ما يمكن أن نستنتجه من الدراسة التي نشرت "الجريدة الأولى" خلاصتها، والتي تفيد بأن متوسط كلفة "القفة" لأسرة مغربية وصل إلى مائة درهم في اليوم، على الأقل، بسبب ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، سنة 2008، إلى مستويات قياسية. فصارت القفة، كما يقول المغاربة، "قفة بلا ودنين"، لا يستطيع حملها واحد ولا حتى اثنين، أو بدّلت أذنيها بقرنين، فأصبح لذكرها رجفة وقفقفة.

والقفة وعاء، وهي نوع من السلال مختلفة الأحجام، وتستخدم في أغراض متعددة. ويقصد بها المغاربة تلك المصنوعة من السعف، المتوسطة الحجم، والمستعملة للتسوق ونقل الخضر. ويرى البعض أن أصل كلمة قفة من اليونانية القديمة "Kophinos" كما جاء ذكرها في الأناجيل. وقيل بأن النبي داوود كان يصنع القفاف بيده، ثم يبيعها ويأكل من ثمنها، وهو موسع عليه.

كانت القفة حاضرة في الحياة اليومية للمواطنين، يتنقلون بها بين متاجر الأسواق وباعتها. وكانت في رمزيتها، عند العامة، تدل على تحمل المسؤولية والرجولة، ولذلك كان يقال "هاز القفة على اولادو". واختفت القفة، تقريبا، وعوضتها الأكياس البلاستيكية. وأصبحت القفة ترمز إلى مستوى المعيشة، ومؤشرا لمطالب الطبقة الشغيلة، وتطلق على ما ينقله الأهل من زاد للسجين أو نزيل المسشفى، وتوزيع المساعدات الغذائية في المناسبات كرمضان. ويطالب نشطاء الحفاظ على البيئة، والعديد من منظمات وجمعيات المجتمع المدني، بالعودة إلى استعمال القفة المصنوعة من خوص النخيل، بدلا من الأكياس البلاستيكية، التي أصبحت بحق كارثة بيئية.

ومن غرائب ما نسب للمجمع اللغوي بمصر تعريبه لكلمة "تنورة" (الصّاية عند المغاربة) إلى كلمة "قفة"، فكانت مجال هزء في الصحافة، وسخرية بين النساء. فمن يجرؤ، مثلا، على القول لسيدة ما: جميلة هذه القفة التي ترتدين، أو تناسبك هذه القفة !؟

وليعذرنا محبو شعر امرؤ القيس إن علّقنا قفة بدل معلقته، في الأبيات التالية:

قفة تبكي من ذكرى عهد ولّى ومنزل 

                                               بقسط زهيد من الدراهم كانت تُحمّلِ

فتوضع   في  المطبخ  لم   يعف  مجدها

                                                لما  تجلبه  من خضـار بمـائة  ريـالِ

تـرى  نعـم  اللـه  في  قيعـانهـا

                                                  مـن لحـم وبصل وجـزر وفلفـلِ

ويوم دخلت  المـيكة  رُفعت  البركة 

                                                   فقـالت لك الأسعـار إنك  مرجلي

وقـوفا بهـا صحبي على الحوانـيت

                                                   يقولون "استهلك بلا ما اتهلك" وتحمّلِ



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170