البريد والماضي المجيد 1

البريد (البوسطة) يقصد به خدمة نقل الرسائل والوثائق والطرود وتوصيلها لأي مكان في العالم. وهي خدمة موغلة في القدم، وما تزال، حتى في عصر البريد الإلكتروني، وسيلة الاتصال الأكثر تداولا في العالم. فالشبكة البريدية العالمية، اليوم، هي أكبر شبكة توزيع في العالم، في متناول الجميع، وفي كل مكان. وتضم حوالي خمسة ملايين عامل، موزعين على 660 ألف مؤسسة بريدية ومركز للفرز لمعالجة وتوزيع 430 مليار مراسلة سنويا.

وقد أكدت الآثار تبادل الرسائل بين فراعنة مصر وغيرهم من حكام البلدان المجاورة، منذ ألفي سنة قبل الميلاد. ومع ذلك عرف تبادل الرسائل قبل ذلك بكثير. إلا أن المؤرخين يجمعون على أن الفرس كانوا أول من وضع نظاماً للبريد. وعرف بعد ذلك الرومان ما للبريد من أهمية سياسية وحربية وإدارية، فعنوا بتنظيمه في إمبراطوريتهم المترامية الأطراف، وقد استخدم أباطرة الرومان المركبات لنقل البريد، وأعدوا حظائر للجياد، ومحاط الراحة على طول الطرق المهمة، باستبدال الجياد والسعاة وتقديم الطعام ووسائل الراحة. وقد استُخدم الحمام الزاجل لنقل رسائل البريد الجوي، وقد استمر هذا البريد عدة قرون.

وقبل إصدار الطوابع البريدية، كان الذي يدفع ثمن الرسالة هو المستلم وليس المرسل، إلا أنه كان الكثير من الناس يرفضون استلام الرسائل لكي لا يدفعوا ثمنها، فتبقى على عاتق البريد مصاريف المراسلات.ولذلك ابتكر أحد الإنجليز، سنة 1840، ملصقا يُشترى ويلصق على الرسالة قبل إرسالها. وكان أول طابع بريد يسمى "بيني بلاك" (البيني الأسود) وكان أسود اللون وعليه صورة الملكة فيكتوريا. وفي سنة 1869 ابتكر النمساوي الدكتور إمانويل هرملن البطائق البريدية. 

وظل تبادل الرسائل بين البلدان يتم في إطار اتفاقيات ثنائية إلى حدود القرن التاسع عشر حيث تعقدت المسألة، مما استدعى توقيع معاهدة بيرن في التاسع أكتوبر (الذي أصبح اليوم العالمي للبريد) 1874 لإنشاء الاتحاد العام للبريد، والذي تحول سنة 1878 إلى الاتحاد البريدي العالمي، ومقره بمدينة بيرن السويسرية، وأصبح عدد أعضائه 191 بلدا.

قبيل الاحتفال بأعياد السنة الميلادية، وقع مستخدمو مركز بريدي، بإحدى المدن الأوروبية، على رسالة من طفل موجهة إلى بابا نويل، ولم يجدوا بدا في فتحها، ليقرؤوا فيها خطابا مؤثرا يقول فيه الصغير لبابا نويل أنه لا يريد هذه السنة أية هدايا، فقط يريد منه 50 أورو لمساعدة عائلته، التي تعاني من عسر، فوالده عاطل عن العمل، وأمه مريضة، وليس لديهم ما يشترون به لوازم الاحتفال. فحنّ المستخدمون لحال الطفل وأسرته، فقرروا جمع تبرعات فيما بينهم، فاكتمل لديهم مبلغ 45 أورو، أرسلوه للطفل باسم بابا نويل. وبعد أيام، جاءت من الطفل رسالة ثانية إلى بابا نويل، يشكره فيها على مساعدته، التي مكنت أسرته من الاحتفال بأعياد رأس السنة، ولكنه نبهه ألا يبعث، مرة أخرى، النقود عبر البريد، لأن مستخدميه سرقوا من المبلغ خمسة أورو !

البريد والماضي المجيد2

كلمة بريد عربية الأصل مشتقة من البُردة أي العباءة، لأن الرسل الذين كانوا يحملون الرسائل من بلد إلى آخر كان عليهم أن يلبسوا بردة حمراء للدلالة عليهم. والبريد هو الرسول الذي يحمل الرسائل. قال الرسول (ص) "إذا أبردتم إلي بريدا فاجعلوه حسن الوجه والاسم". وكانت كلمة بريد تستعمل أيضا كمقياس للمسافة، فهي فرسخان، وقيل أربعة فراسخ )والفرسخ حوالي ثلاثة أميال، والميل يساوي 400 ذراع).

ويُعتقد أن العرب نقلوا نظام البريد عن الفرس أو اليونان، أو عنهما معا. وقيل بأن معاوية بن أبي سفيان، هو أول من نظم البريد في الإسلام لتسرع إليه أخبار بلاده من أطرافها. ومع قيام الخلافة العربية الإسلامية صار للبريد شأن مهم يعتمد عليه الخلفاء والولاة في بلاد الإسلام كلها، وصارت دمشق المركز الرئيسي للبريد في أول الأمر ثم بغداد فالقاهرة ومع قيام الخلافة العربية الإسلامية صار للبريد شأن مهم يعتمد عليه الخلفاء والولاة في بلاد الإسلام كلها، وصارت دمشق المركز الرئيسي للبريد في أول الأمر ثم بغداد فالقاهرة. وفي العصر العثماني أعير البريد عناية فوضعت له قواعد خاصة، كان آخرها قانون الإصلاح البريدي العثماني عام 1839م الذي تبنى نظام البريد الغربي مع بعض التعديل.

وأنشئ الاتحاد البريدي العربي، وهو منظمة عربية متخصصة تهدف إلى التعاون والتنسيق بين الدول العربية فيما يتعلق بأمور البريد، بموجب قرار مجلس جامعة الدول العربية سنة 1946م، وباشر أعماله في سنة 1952م، وهو أقدم منظمة عربية متخصصة. ويهدف الاتحاد البريدي العربي إلى تنظيم الخدمات البريدية وتطويرها واستكمالها والعمل على توحيدها، وتنمية التعاون والتضامن وتوثيق الروابط بين بلدان الاتحاد، ووضع أحكام أكثر فائدة للجمهور من الأحكام الواردة في وثائق الاتحاد البريدي العالمي، وتنسيق التعاون بين الدول الأعضاء ووفودها في إطار اجتماعات اتحاد البريد العالمي، وانتهاج خطة موحدة في جميع أوجه النشاط البريدي خارج نطاق الاتحاد.

ومن قصيدة "مذكرات ساعي البريد" للشاعر الليبي علي الفزاني:

كان عصرُ القتلة

يذبح الأحراء، جيلاً بعد جيلْ

وأنا ساعي بريدْ

احمل الإعدام آنا في حقيبةْ

كنت جوعان أهيمْ

حاجَب 'المنصور' ارتاد بيوتَ الفقراءْ

احمل الأخبارَ، جاسوسَ الأمير

المقاهي عرفتْني، بعضَ شحاذٍ فقيرْ

وأنا ساعي بريدْ

لستُ منكم إن ظننتُم ببعيدْ

كنت منكم، ثمَّ ماذا ؟

توصل مواطن عربي برسالة من صديق له، قال له فيها: لعل هذه الرسالة تتأخر في الوصول إليك، لأن إدارة البريد تفتح جميع الرسائل! وبعد أن قرأ الرسالة، وأراد إعادتها إلى الظرف، انتبه إلى كتابة على ظهر هذا الأخير، عبارة عن ملاحظة من إدارة البريد، جاء فيها: "نحن لا نفتح الرسائل أبدا".

البريد والماضي المجيد3

رحم الله أيام كانت لدَوْي ضربة الخاتم البريدي هيبته في نفوس الناس بمكاتب البريد، التي كانت رمز الخدمة العمومية، ومؤشر سلامتها وجودتها، وكانت القلوب تخفق لقدوم ساعي البريد، وتشرئب له الأعناق. وأصبح البريد في أيامنا تنطبق على حاله المقولة الشعبية: "الجديد لو جدة، والبالي لا تفرّط فيه".

انطلقت البداية الأولى للبريد بالمغرب سنة 1892 بالجديدة (مزاغان آنذاك)، حيث نظم في شبكة مهيكلة، وهو ما سمي ببريد المخزن، في عهد السلطان المولى الحسن الأول، الذي أصدر ظهيرا ينظم بريد المخزن في 13 مدينة (الجديدة، تطوان، طنجة، القصر الكبير، العرائش، فاس، مكناس، الرباط، الدار البيضاء، أزمور، آسفي، الصويرة،  ومراكش). وقبل ذلك، كانت هناك شبكات خاصة تسمى بالبريد المحلي، يملكها الخواص من التجار الأجانب. وكان ساعي البريد يلقب ب"الرقاص"، وكان يربط بين المدن مرتين في الأسبوع، ويقطع أحيانا مائة كلم في اليوم. وفي كل مدينة كان البريد يسيّر بشكل ذاتي، وتخصص له نسبة خمسة في المائة من الضرائب، ويتولى أمره "الأمين". وفي سنة 1912 ظهر أول طابع بريدي مغربي رسمي. وكانت مراكز البريد الأجنبية بالمغرب آنذاك (إسبانية، ألمانية، فرنسية، إنجليزية وبرتغالية) تعتمد طوابع بلدانها، أو طوابع لبلدانها خاصة بالمغرب. وفي سنة 1920 انضم المغرب إلى شبكة الاتحاد البريدي العالمي.

وتم إحداث المكتب الوطني للبريد والاتصالات سنة 1984، وكان يتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي. وفي سنة 1998 تم إحداث بريد المغرب، وهي مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي تحت وصاية الدولة، بعد فصل قطاعي البريد والاتصالات، يموجب القانون 24-96 بتاريخ 07/08/1997 المتعلق بإعادة هيكلة قطاع البريد والاتصالات بالمغرب. وكانت هيكلة القطاع، قبل ذلك، تتسم باحتكار الدولة وبتلازم قطاع البريد مع قطاع الاتصالات. ويتوفر بريد المغرب على شبكة تتكون من أزيد من 1750 مكتبا بريديا، موزعا على التراب الوطني في مختلف المدن والقرى، ويوفر أزيد من 8000 منصب شغل. وحقق سنة 2007 رقم معاملات بحوالي مليار وأربعمائة مليون درهم.

مؤخرا، تعبأت نقابات مستخدمي البريد ضد مشروع قانون، تقدمت به الحكومة إلى البرلمان، يقضي بتحويل بريد المغرب إلى شركة مساهمة مجهولة، في اتجاه الخوصصة. وترى النقابات أن الرأسمال سيلتهم الخدمة العمومية البريدية كما التهم غيرها، مؤكدة أن التجربة الأوربية، في خوصصة البريد، دلّت على أن المواطن يتضرر على واجهتين: تتردى الخدمات، وفي الآن ذاته ترتفع أسعارها. ومن جهتها، ترى الحكومة أن مشروع القانون يرمي إلى إصلاح قطاع البريد، لتمكينه من رفع تحدي المنافسة، بتحديد النشاط البريدي والخدمات البريدية العالمية وآلية التمويل والتمييز بين مهامها القانونية والتنظيمية وتحويل بريد المغرب من مؤسسة عمومية إلى شركة مجهولة الاسم.

كتب شخص رسالة إلى صديق له، يطلب منه أن يقرضه مبلغا من المال، وختمها بملاحظة يقول فيها: خجلت من نفسي حين طلبت منك السلف، ووددت لو لم أفعل، ولكنني أقفلت الظرف، ورميته في صندوق البريد، وأتمنى أن يضيعه ساعي البريد. وبعد أيام توصل برسالة من صديقه يقول له فيها: لقد كان ساعي البريد عند ظنك، فأضاع رسالتك، ولم أتوصل بها. وفي رواية أخرى، ختم رسالته بملاحظة: لم أبعث لك بشيك النقود، لأنني نسيته قبل أن أغلق الظرف وأرميه في صندوق البريد.



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170