لا أقسم ...

اضطر الرئيس الأمريكي الجديد، باراك أوباما، لأن يؤدي القسم الدستوري للمرة الثانية، في اليوم التالي لتنصيبه، تجنبا لأي طعن في شرعيته، بسبب تلعثم رئيس المحكمة العليا، الذي قاد الرئيس في أداء اليمين، وتلعثم معه هذا الأخير؛ وذلك أنه لم يستعمل كلمة "أمانة" في مكانها (أقسم ...أنني سأقوم بأمانة بتنفيذ مهام المنصب الذي أوشك على توليه.. )، بل في نهاية الجملة؛ أي على الطريقة المغربية (أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصا لديني ولوطني ولملكي، وأن أؤدي مهمتي بصدق وأمانة). وقبل أوباما، أعاد رئيسان أمريكيان أداء اليمين الدستورية، وهما كالفين كوليدج وتشيسر آرثر.

واللافت أن الدستور الأمريكي لا يلزم الرئيس بالقسم، لأنه ينص على القول: "أقسم (أو أؤكد).. ". لكن كافة الرؤساء الأمريكيين أقسموا، باستثناء الرئيس فرانكلين بيرس (1853 - 1857)، الذي استخدم كلمة أؤكد، ولم يقسم.

القَسَم لغة، مصدرها المقسم وجمعها أقسام، هي الحلف واليمين، وأقسمت بالله: حلفت له.وكذلك حلف وحلّفه واستحلفه بالله، ومن ذلك قول امرؤ القيس في صدر بيت شعري: "حلفت لها بالله حلفة فاجر". .وكانت العرب تحلف باليمين، فيقولون: يمين الله لا أفعل، وأيم الله. وفي الحديث: "يمينك على ما يصدقك به صاحبك"، أي يجب عليك أن تحلف على ما يصدقك به إذا حلفت له. وقالوا سميت اليمين بذلك لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل امرئ منهم يمينه على يمين صاحبه. وقال آخرون: قيل للحلف يمين باسم يمين اليد، وكانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا وتحالفوا وتعاقدوا وتبايعوا، ولذلك قال عمر لأبي بكر ابسط يدك أبايعك. ومن أشهر الأحكام الفقهية: "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر".

وجاء في الذكر الحكيم: "لا أقسم بمواقع النجوم"، و"لا أقسم بيوم القيامة"، و"لا أقسم بهذا البلد"، ويرى علماء التفسير أن "لا" هنا زائدة للتوكيد، والمعنى (فأقسم ..)؛ وأنه لم يرد في القرآن (أقسم بـ), فكل قسم بدأ باستخدام "لا" من أجل المبالغة في إثبات القسم وتأكيده.

وقد يكون أقدم قسم هو قسم أبو قراط (نسبة إلى طبيب يوناني من القرن الرابع قبل الميلاد)، الذي يقسمه كل طبيب عندما يحصل على شهادة الطب، والذي عدل كثيرا مع الأيام ليتماشى مع عصره ومع آداب المهنة. ويردد العامة للاستحلاف: "احلف!". كما يقولون: "ما اتسالني احلوف"، "حالف احلوفي"، "وحق الله"، "والله العظيم"...

ومن منطق العمل السياسي، ألا يتضمن الَقسم، الذي يؤديه المسؤولون السياسيون، عبارة "أقسم أن أقول الحقيقة" أو "أن لا أكذب"؛ لأنهم سيصبحون في حكم المثل الشعبي "كل حلاّف حنات". كما أنه لا يجب على القضاة أن يسألوا النساء عن سنهن، في المحاكم، قبل أداء القسم.

خرجت شابة مع خطيبها لأول مرة لوحدهما، فصارحته: لم تسمح لي أمي بالخروج معك حتى أقسمت لها بأن أقول "لا" لكل ما ستطلبه مني. فقال لها: حسنا، هل تمانعين في أن أقبلك؟.

 
 
 
 

يخوض المسؤولون في مكسيكو، هذه الأيام، حربا ضروسا على قطع العلك الملتصقة بأرصفة وأرضيات ساحات العاصمة المكسيكية، حيث يقدر متوسط العلك على الأرض ب70 قطعة في المتر المربع، وقد تصل إلى مئات القطع في بعض المناطق المكتضة. وتحتاج كل قطعة لاقتلاعها لمعالجة خاصة بالبخار والمواد الكيماوية. هذه الظاهرة ليست خاصة بمكسيكو، فجل الحواضر تعاني أرضياتها جرب العلك. وشوارع عاصمتنا لا تقل عنها وشما بالعلك، المبثوث في أديمها.  فما أسهل تخلص الفم من قطعة العلك بعد مضغها، وما أصعب التخلص منها بعد أن تلتصق على الأرض، وتدكها أحذية الراجلين.

العلك، كمادة صمغية أو كعادة مضغ، كان معروفا لدى العديد من الشعوب والحضارات. إلا أن الأمريكيين وحدهم استطاعوا بفكرهم التجاري والمادي ومجازفاتهم المالية في الإشهار، أولا "أمركته" بترسيخ مضغه كنمط من سلوك الشعب الأمريكي وكعادة تجري في عروقه مجرى الدم، وثانيا بنشره بين باقي شعوب العالم، وأصبح الناس في مختلف بقاع العالم يلوون ألسنتهم بالعلك كما تلوي البقر ألسنتها بالحشائش، فكانت بالفعل أولى مؤشرات فكر العولمة.

العلك قليل السكر، منشط للغدد اللعابية: يسيل اللعاب الذي يعتبر الغسول الطبيعي للفم.كما يرفع اللعاب معدل حموضة الفم، ويعادل الأحماض البكتيرية. وتحتوي بعض أنواع العلك على "زايلتول" يكافح صفائح البكتيريا ويحد من تزايدها، بل أنه يحافظ على صحة وجمال الفم.

العِلْكُ: ضرب من صمغ الشجر كاللبان يمضغ، والجمع عُلُوكٌ وأعْلاكٌ وبائعه علاْك. وشيء علك أي لزج. وعَلَكَ الشيء يَعْلِكُهُ ويعْلُكُهُ عَلْكاً: مضغه ولحلجه.قال أعرابي في العلك: "تعب الحنجرة وخيبة المعدة". وجاء في البيان والتبيين للجاحظ: دفعوا إلى أعرابية علكا لتمضغه فلم تفعل، فقيل لها في ذلك فقالت: ما فيه إلا تعب الأضراس، وخيبة الحنجرة. ومن طمع أشعب أنه مر برجل يمضغ علكا فتبعه أكثر من ميل حتى علم أنه علك.

وفي المغرب يعرف العلك ب"المسكة"، وهو اسم عربي كذلك، فالمصطكى وتسمى أيضا العلك الرومي هي نوع من أنواع الصموغ البيضاء، الناعمة، الطيبة الرائحة، ذات اللدونة، المائلة إلى المرارة، وربما سمي العلك مسكة لشبهه بالمسك، وقد أنّثه بعضهم على أنه جمع وواحدته مِسْكَة وربما، كما ذهبت طائفة إلى تشبيهه بالمسك، لأن رائحة عطر المسك تتمسك باليد، ولأن العلك يتمسك بالجلد واليد وكل شيء وربما، أيضا، كان مصدر كلمة مسكة هو "المصطكى" وهو العلك الرومي فليس بعربي.

وإلى جانب المضغ، كان المغاربة، ولا زالت قلة منهم، يستعملون المسكة لإضافة نكهة متميزة لأنواع من الطعام والشراب مثل الخبز والحلوى والقهوة وغيرها. ومن ذلك قول المثل المغربي الدارج :"حتى اكْلا واتْكّا عّاد قال خبزكم ما فيه مسكا". وتستعمل كلمة العلك في الدارجة المغربية في معنيين، الأول عندما يقال عن الشيء "مْعَلّكْ" أي لزج؛ والثاني عندما ينعث شخص بأنه "عَلْكَة" أي ثقيل. وتقول النساء بأن الرجل كالعلك أوله حلو، وبآخره مر يلصق. ومن النكت الشائعة عند إخواننا المشارقة: "واحد دلوع حلف ما ينام إلا إذا يخلص العلك اللي في فمه ".

بعد حفل موسيقي، سأل ناقد فني عازفا على آلة الناي: كيف تمكنت أن تجعل آلتك تعزف بهذا الصوت الفريد، الذي نال إعجاب الجمهور؟ فرد عليه: نسيت أن أرمي العلك من فمي، فعزفت به.



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170