على قدر الهمم تأتي القمم 1

ظل الناس في جميع البلدان العربية، ولعقود،  يرددون حكمة "اتفق العرب على أن لا يتفقوا". وتأبى هذه الحكمة، المشؤومة اللعينة، إلا أن تثبت لهم، يوما عن يوم، أنهم على صواب، وتؤكد لهم أنها ستلازمهم إلى أجل غير منظور. ويظل العرب في تشرذمهم مثل ما يقول المغاربة: "شي مشرّق، وشي مغرّب"، أو كما يقولون: "مشتتين بحال ازرع الفطرة" (مثل زرع زكاة الفطر). فما زال العرب يواجهون التحديات بانقساماتهم المعهودة، التي تشهد عليها قممهم المشهودة، التي لم يعد يأخذها المواطن العربي على محمل الجد، بل وأصبح يستخف بها، مثل ما يستخف بها قادتهم أنفسهم. ولذلك ارتبطت القمم العربية، في ذهن المواطن العربي، بالأزمات والخلافات، لا بالحلول وتذليل العقبات.

  منذ قمة أنشاص الطارئة بمصر سنة 1946 إلى القمة الاقتصادية المنعقدة اليوم في الكويت، كان دائما الصراع العربي الإسرائيلي هو القضية المحورية في جميع مؤتمرات القمة العربية. وتميزت بعدم دورية الانعقاد، منذ عام 1985. وخلال أكثر من خمسة عشر عاما، لم يعقد أي مؤتمر قمة عادي، وكانت جميعها مؤتمرات طارئة، رغم التأكيد على أهمية عقد مؤتمرات دورية، أكثر من مرة. وبعدها غدت دورية حيث عقدت بالتتابع إلا مؤتمر تونس 2004 فقد تم تأجيله شهرين. ولعل حرب القمم، التي اندلعت مؤخرا حول قمم الكويت والرياض والدوحة، تلخص تاريخ الانقسامات والخلافات، التي كانت تعطل وتعثر أو تعيق انعقاد مؤتمرات قمة، وتؤثر على مجرياتها.

وقد عقدت حتى الآن عشرون قمة عربية عادية: قمتا القاهرة والإسكندرية 1964، الدار البيضاء 1965، الخرطوم 1967، الرباط 1969، الجزائر 1973، الرباط 1974، القاهرة 1976، بغداد 1978، تونس 1979، عمان 1980، فاس 1981، فاس 1982 (نفس الدورة مستأنفة)، عمان 2001، بيروت 2002، شرم الشيخ 2003، تونس 2004، الجزائر 2005، الخرطوم 2006، الرياض 2007، ودمشق 2008.

وكان أول مؤتمر قمة عربي طارئا، بأنشاص في مصر سنة 1946، وجاءت باقي القمم الطارئة كالتالي: بيروت 1956، القاهرة 1970، الرياض 1976، الدار البيضاء 1985، عمان 1987، الجزائر 1988، الدار البيضاء 1989، بغداد 1990، القاهرة 1990، القاهرة 1996، القاهرة 2000، أما قمة قطر الأخيرة، ففريق يعتبرها قمة عربية طارئة، وفريق آخر يعتبرها مجرد اجتماع تشاوري.

وقد وصف الشاعر أحمد مطر هذه القمم بالشعر الساخر في قوله:

مرّ  "شعواط" الأصم

بالفتى "ساهي" الأصم

قال ساهي: كيف أحوالك عم

قال شعواط: إلى سوق الغنم

قال ساهي: نحمد الله بخير

قال شعواط: أنا شغلي الغنم

قال ساهي: رضة في الركبة اليمنى وكسر في القدم

قال شعواط: نعم ... اقبل الشغل فلا عيب بتحميل الفحم

قال ساهي: نشكر الله لقد زال الألم

قال شعواط: لم لا تأتي معي أنت إلى سوق الغنم

قال ساهي: في أمان الله عمي إنني ماض إلى سوق الغنم

الحوارات لدينا هكذا تبدأ ودوماً تختتم

واسمها المعروف رسمياً قمم

على قدر الهمم تأتي القمم 2

إذا كان هناك من شيء اتفق حوله العرب جميعا، فهو ذمهم للعمل العربي المشترك، وانتقادهم للقمم العربية، وإنكار عجزها عن تحقيق أي نجاح منتظر أم مأمول. قالوا في القمم العربية ما لم يقله مالك في الخمر. قالوا بأن القمم العربية مجرد محافل خطابية، تستعرض فيها الكلمات, وتصاغ فيها ألحان التنديد والشجب والاستنكار، وتشكيل لجان عربية، أو اتخاذ مواقف متواضعة الإنجاز تجاه معضلات كبرى؛ تُعقد وتنتهي والنتيجة واحدة: مزيدا من التفرقة والانقسام، وسط ركام من التجاذبات والتناقضات والاتهامات. وقالوا أن القمم العربية ليست بذات قيمة، وليس لها أي تأثير أو مردود إيجابي في معالجة الأزمات المتفاقمة، التي تعصف بمجتمعاتنا. وقالوا أنها مدعاة للسخرية، بسبب عدم فعاليتها، وبطلان جدواها، ولأنّ قراراتها لا تُنفّذ. وقالوا بأن إسرائيل ترفض قرارات القمم العربية حتى قبل عقدها. وقالوا أنَّ "القمة العربية الفضلى" هي التي لم تُعْقَد بَعْد.

وجاء في بلاغ للديوان الملكي، الذي أعلن قرار جلالة الملك عدم الحضور شخصيا في القمة العربية الاستثنائية المقترحة بالدوحة وفي القمة العربية الاقتصادية بالكويت: "...الوضع العربي المرير، الذي بلغ حدا من التردي، لم يسبق له مثيل في تاريخ العمل العربي المشترك...أن الأمر يكاد يبلغ بالبعض حد اختزال القمم العربية، على أهميتها، في لحظة الاجتماع نفسه،...أن مجرد طرح فكرة عقد قمة عربية استثنائية، أصبح يثير صراعات ومزايدات، تتحول أحيانا إلى خصومات بين البلدان العربية...هذا ما يتيح، ببالغ الأسف، لخصوم الأمة العربية الفرصة للترويج لصورة مهزوزة، من عدم النضج، واللا مسؤولية...".

وفي الجلسة الافتتاحية للقمة العربية الأخيرة العادية بدمشق، قال الزعيم الليبي معمر القذافي: "...كلنا مختلفون مع بعضنا، نحن مع بعضنا الآن. لا شيء يجمعنا أبدا إلا القاعة هذه.. للأسف الشديد نحن أعداء لبعضنا، كلنا نكره بعضنا، ونتخاصم مع بعضنا، ونكيد لبعضنا، ونشمت في بعضنا، ونتآمر على بعضنا. نحن مخابرات نتآمر على بعضنا.. نحن عدو لبعضنا".

وعندما سئل الرئيس المصري حسني مبارك عن مدى النجاح الذي حققته قمة شرم الشيخ، قال: "قمة شرم الشيخ نجحت 100%، ولكن التنفيذ يرجع للسلطة الفلسطينية والإسرائيليين، لكن القمة ناجحة تماماً".

ووصف الشيخ عبدا لله بن حسين الأحمر، رئيس مجلس النواب اليمني الراحل، القمم العربية بأنها أشبه ما تكون بشخص يستخدم إبرة الخياطة بدون خيط، حيث يذهب كل جهده سدى بمجرد خروج الإبرة من الجهة الأخرى.

وقال المفكر والباحث السوري برهان غليون: "لا أعتقد أن القمم العربية، في ظروف الشقاق العربي والإقليمي العميق القائم، سوف تفضي إلى شيء مهم وأساسي، سواء حضر الجميع أم غابوا". وحتى عادل إمام قال عن القمم العربية: "كلام فارغ".

ويقول الشاعر عبد الفتاح أبو سرور، من بيت لحم، في قصيدة "حنظلة يكتب مرثية القمم العربية":

قال حنظلة، ويداه معقودتان خلف ظهره كعادته:

أكتب إلى كل أصحاب السيادة والفخامة والسمو،

"شكرا لكم، ثم شكرا لكم، ثم للمرة الثالثة شكرا لكم

من كل طفل من أطفالنا وأطفالكم

فلم تخيبوا آمالنا بكم

وبقيتم كما عهدنا بكم

بينكم وبين شعوبكم

وديان وجبال وقيعان وقمم

......

شكرا لكم ولكل من تَبِعتُم

إسرائيل، أمريكا، وكل ما تبقى لكم

شكرا لكم، على حفظكم لعهودكم

ومعاهداتكم مع أعدائنا، أصدقائكم

وعذرا لكم، إن كانت همومنا وآلامنا

فوق حدود طاقاتكم

فما زالت، كعادتها، ضمائركم

لا توقظها جراح، أو دماء، أو صرخات شعوبكم



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170