تقاعد التلكس وجحود الصحافة

بإعلان اتصالات المغرب عن إحالة التلكس على التقاعد، مع نهاية السنة التي نودعها، سيتفكك ما تبقى من خلايا هذه الشبكة البرقية، وسيتوقف قلبها عن النبض. وسبق للصحافة أن أحالتها على التقاعد منذ سنوات، في صمت جاحد، ونكران للجميل، وهي التي كانت لها بمثابة مضخة أخبار، لم تتوقف ليل نهار طوال عقود، كما القلب بالنسبة للجسم، يضخ الدم إلى الشرايين. فكان سماع صوت آلات التلكس في قاعات التحرير بجميع وسائل الإعلام، كسماع نبض القلب، وتأكيد على أن الحياة تدب بجسم التحرير. وأذكر عندما كانت وكالة المغرب العربي للأنباء تعمل على نقل تجهيزاتها من مقرها القديم إلى الجديد، سنة 1988،  فكأنما كانت تجري عملية جراحية على القلب المفتوح.     

التلكس ظهر سنة 1930 كنتيجة لتطوير اتصالات التلغراف، الذي ظهر سنة 1792، وعوضت الطابعات الآلية مستقبلي ومرسلي شفرات ورموز المورس، كما نشاهد ذلك في أفلام رعاة البقر. ومصطلح "تلكس" هو اختصار للعبارة الإنجليزية "teleprinter exchange" (مقسم الطابعات عن بعد). واستعمل في العربية مصطلح "البرق"، منذ أوائل القرن العشرين، مقابل مصطلح تلغراف، وقد اتسع مفهوم البرق، بعد ذلك، ليشمل جميع أنواع الاتصالات المسجلة عن بعد.

في سنة 1906، اخترع رجلا الأعمال الأمريكيان، جوي مورتون وشارل كروم، أول جهاز إبراقي بسيط يرسل مباشرة نصاً مكتوباً إلى مركز الاستقبال على شكل حروف مطبوعة، وأسسا شركة شيكاغو موركروم لإطلاقه، فتباطأ مشروعهما إلى حدود سنة 1915، حين قررت وكالة الأنباء الأمريكية "أشوسيتد بريس" توزيع أخبارها، في وقت واحد، على عدد من الجرائد باعتماد آلة موركروم. وهكذا كان الإعلام هو أول قطاع اعتمد التلكس.

 في هذا الوقت، تمكن مهندس لامع من أصل ألماني، إدوارد كلينشميدت، من اختراع آلة تلكس من نوع آخر. وفي سنة 1925، اندمجت شركتا موركروم وكلينشميدت. خمس سنوات بعد ذلك، بيعت الشركة لشركة التلفون والتلغراف الأمريكي والتي أقامت شبكة للتلكس سنة 1931. وفي نفس السنة وضعت ألمانيا شبكة وطنية للتلكس، ويعتقد البعض أنها الأسبق. ولعب التلكس دورا بارزا في الحرب العالمية الثانية. واستطاع أن يتسرب، بعد ذلك، كوسيلة اتصال فعالة وبأقل تكلفة، إلى جل القطاعات الحيوية، من وسائل الإعلام، والمؤسسات العمومية، والمؤسسات التجارية والصناعية، والشرطة، والطيران وغيرها.

وجاء انتشار الشبكة العنكبوتية ليزيح خيوط الشبكة البرقية ويعوضها. وهذه سنة التطور التكنولوجي: الجديث يعوض القديم. وقد يكون السبب في عدم تكريم التلكس، أو تأبينه، من قبل الصحافة، رغم ما أسداه لها من خدمات جليلة، طيلة ثمانية عقود، يعود إلى ما عاناه منه الصحافيون من متاعب في لقراءة قصاصاته الباهتة، كلما نقص مداده، وما خلفه ذلك من آثار على عيونهم؛ وما استنشقوه، طوال سنين، من غبار الكربون المنبعث من نسخه المزدوجة.

قال رئيس مصلحة لأحد موظفيه، ممن يتخوفون من إدخال التكنولوجيات الحديثة: لا تخف على منصبك، فلم يخترعوا بعد آلة لا تفعل شيئا!



Webmaster: Oulf@kr
E-mail: webmaster@adrare.net - Fax:(212) 0537263170